في ليلة استثنائية.. ظفار يحتفي بنجوم المسرح العربي في افتتاح دورته الثانية

9 أيام تحول صلالة إلى ملتقى للمسرحيين.. والمهرجان يختبر قدرته على الانتقال من «الميلاد» إلى «تثبيت الحضور»

ظفار –  بقلم : محمد قناوي

تحت رعاية صاحب السمو مروان بن تركي آل سعيد، محافظ ظفار، وبحضور الدكتور أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار ورئيس اللجنة التنفيذية للمهرجان، والمهندس عمار بن عوبد غواص، رئيس مهرجان ظفار الدولي للمسرح، انطلقت مساء اليوم فعاليات الدورة الثانية من المهرجان، على مسرح المروج بمحافظة ظفار، لتفتح الخشبة العمانية أبوابها أمام تجارب مسرحية عربية ودولية، في دورة تبدو منذ لحظتها الأولى أكثر طموحًا واتساعًا من دورة التأسيس.

الحفل الذي قدمته الفنانة والإعلامية منال المحروقي، وأخرجه الفنان مازن الغرباوي، لم يكن مجرد إعلان تقليدي عن بدء عروض جديدة، وإنما جاء بمثابة تقديم للمشهد الأكبر الذي تسعى الدورة الثانية إلى ترسيخه: مهرجان يريد أن ينتقل من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة بناء الاسم، ومن مجرد استقبال العروض إلى صناعة حالة مسرحية تتفاعل فيها الخشبة مع النقد والحوار والتدريب والتكريم.

وبحضور كوكبة من نجوم المسرح والسينما من مصر والوطن العربي، بينهم أحمد حلمي، وياسر جلال، وشريف منير، وأحمد بدير، ومنذر رياحنة، وجمال سليمان، وأحمد بو رحيمة، إلى جانب نخبة من الفنانين والمسرحيين، حمل افتتاح الدورة الثانية رسالة واضحة بأن ظفار لا تنظر إلى المسرح باعتباره فعالية عابرة، وإنما تراهن على تحويله إلى أحد مكونات الحضور الثقافي للمحافظة والمنطقة.

من التكريم إلى صناعة الذاكرة الفنية

ولا تنفصل الاحتفالية في الدورة الثانية عن فكرة التكريم، حيث يكرم المهرجان تسع شخصيات فنية ومسرحية تمثل أجيالًا وتجارب متنوعة، وضمت قائمة المكرمين من مصر أحمد حلمي، وشريف منير، وياسر جلال، ومن سوريا أسعد فضة وجمال سليمان، ومن سلطنة عمان صالح زعل والدكتور عماد الشنفري، ومن البحرين عبدالله ملك، ومن الإمارات أحمد بو رحيمة، ويحمل التكريم هنا وظيفة تتجاوز الاحتفاء بأسماء النجوم؛ فهو محاولة لبناء ذاكرة للمهرجان نفسه، وربط دوراته بأسماء وتجارب صنعت جانبًا من تاريخ الفن العربي.

17 عرضًا.. وثلاثة مسارات ترسم ملامح المنافسة

في قراءة خريطة الدورة الثانية، يبدو أن إدارة المهرجان اختارت منذ البداية أن تضع أمامها معادلة صعبة: كيف تجمع بين العالمية والخصوصية؟، وجاءت الإجابة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية هي «عروض النخبة»، و«العروض الكبرى»، و«مسرح ظفار»، بمشاركة 17 عرضًا مسرحيًا، فيما خصص المهرجان جائزة كبرى بقيمة 50 ألف دولار لكل مسار، ليصل إجمالي الجوائز الكبرى إلى 150 ألف دولار.

وهنا تكمن إحدى أبرز علامات تطور المهرجان؛ فالجوائز ليست مجرد قيمة مالية، وإنما مؤشر على رغبة الإدارة في صناعة منافسة حقيقية، تستقطب عروضًا تمتلك ما تقوله فنيًا، وتمنح المهرجان قدرة أكبر على جذب تجارب مختلفة إلى صلالة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المسارات لن تقاس بحجم الجوائز وحده، وإنما بما ستضيفه العروض إلى المشهد المسرحي، وبقدرة لجان التحكيم على تحويل التنوع الكبير في المدارس والتجارب إلى منافسة فنية عادلة وذات معنى.

«عروض النخبة».. عندما تدخل التجارب الفائزة إلى الاختبار من جديد

تضم مسابقة «عروض النخبة» أربعة عروض تمثل سلطنة عمان والبرتغال وتونس والهند، هي «شجرة اللبان» من سلطنة عمان، و«روميو وجولييت» من البرتغال، و«الهاربات» من تونس، و«رقصة البنفسج» من الهند.

واللافت هنا أن المهرجان لا يكتفي باستضافة عروض جديدة، وإنما يضع تجارب تنتمي إلى مدارس وثقافات مختلفة في مواجهة مباشرة داخل مساحة واحدة، بما يجعل المقارنة نفسها جزءًا من التجربة.

وترأس لجنة تحكيم المسابقة الدكتورة عبدالكريم جواد من سلطنة عمان، وتضم الدكتور حسين عبدالله من الكويت، والدكتورة لطيفة أحرار من المغرب، والدكتور إسلام النجدي من مصر، والدكتور بيتر بارلو من المملكة المتحدة، والدكتور خيسوس سالجادو، والدكتور جون ونج سون من كوريا الجنوبية، وتكشف تركيبة اللجنة عن رغبة واضحة في توسيع زاوية النظر إلى العرض المسرحي، بحيث لا يصبح الحكم أسير مدرسة واحدة أو ذائقة جغرافية محددة.

«العروض الكبرى».. 7 تجارب و50 ألف دولار في قلب المنافسة

أما المسابقة الأوسع، «العروض الكبرى»، فتجمع سبع تجارب من تونس والعراق وتركيا والإمارات ومصر وسلطنة عمان وجورجيا، هي «روضة العشاق» من تونس، و«بيت أبو عبدالله» من العراق، و«هاملت» من تركيا، و«غياهب الروح» من الإمارات، و«متولي وشفيقة» من مصر، و«أصحاب السبت» من سلطنة عمان، و«أزيف نفسي» من جورجيا.

وتحمل هذه المسابقة تحديدًا ملامح الرهان الدولي للمهرجان، إذ تضع عروضًا تنتمي إلى ثقافات ومقاربات مختلفة على خشبة واحدة، بينما تصبح جائزة الـ50 ألف دولار أحد أكبر محفزات المنافسة.

ويرأس لجنة التحكيم الفنان السوري أيمن زيدان، وتضم الفنان المصري أحمد بدير، والفنان الأردني منذر رياحنة، والفنانة البحرينية هيفاء حسين، والفنان العماني طالب كحيلان، والدكتور الإنجليزي أندرو سوليفان، والسينوغراف الفرنسي جان جاي لوكا، هذه التركيبة لا تعكس فقط تنوعًا في الجنسيات، وإنما تنوعًا في الخبرات أيضًا؛ بين التمثيل والإخراج والنقد والسينوغرافيا والمعرفة الأكاديمية، وهو ما يمنح عملية التقييم مساحة أوسع للنظر إلى العرض بوصفه بناءً متكاملًا لا مجرد أداء تمثيلي.

مصر لا تشارك فقط.. وإنما تحضر داخل صناعة القرار الفني

يأتي الحضور المصري في الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح على أكثر من مستوى، فعلى خشبة المنافسة الكبرى، تمثل مصر بمسرحية «متولي وشفيقة»، من إنتاج البيت الفني للمسرح وإخراج أمير اليماني، في مواجهة ست تجارب عربية ودولية.

لكن الحضور المصري يتجاوز المشاركة إلى لجان التحكيم، حيث يشارك الفنان أحمد بدير في لجنة تحكيم «العروض الكبرى»، والفنان محسن منصور في لجنة تحكيم «مسرح ظفار»، فيما يمثل الدكتور إسلام النجدي مصر في لجنة تحكيم «عروض النخبة».

وهذا الحضور يمنح المشاركة المصرية دلالة تتجاوز مجرد وجود عرض في جدول المهرجان، ليؤكد استمرار حضور الخبرة المسرحية المصرية في الفعاليات العربية والدولية، سواء عبر خشبة المسرح أو من خلال لجان التقييم.

«مسرح ظفار».. الاختبار الأهم للمهرجان

ربما يكون مسار «مسرح ظفار» هو الأكثر أهمية على مستوى العلاقة بين المهرجان وبيئته المحلية، ففي الوقت الذي تستضيف فيه ظفار عروضًا من البرتغال والهند وتركيا وجورجيا وغيرها، يمنح المهرجان المسرحيين والفنانين من المحافظة مساحة خاصة للمنافسة أمام جمهور دولي ولجان تضم خبرات عربية متعددة.

ويرأس لجنة تحكيم «مسرح ظفار» الدكتور سعيد السيابي، وتضم الفنان المصري محسن منصور، والفنانة البحرينية فاطمة عبدالرحيم، والفنان القطري حمد عبدالرضا، والمخرج العماني ماجد العوفي.

وهنا تتجاوز فكرة المهرجان مفهوم «الانفتاح على العالم» إلى مفهوم أكثر أهمية: أن يصبح العالم نفسه فرصة أمام الفنان المحلي للتطور، فالمهرجان الدولي لا ينجح فقط بعدد الدول المشاركة، وإنما بقدرته على ترك أثر في البيئة المسرحية التي تستضيفه.

لجان التحكيم.. العالم حاضر على الخشبة وخلف الكواليس

واحدة من أبرز نقاط القوة في الدورة الثانية هي تركيبة لجان التحكيم، التي تجمع خبرات من سلطنة عمان ومصر وسوريا والأردن والبحرين والكويت والمغرب والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية.

وهذا التنوع يضع المهرجان أمام مسؤولية أكبر؛ فكلما اتسعت خريطة الخبرات، أصبح مطلوبًا أن تكون معايير الاختيار أكثر وضوحًا، وأن تتحول المنافسة إلى حوار حقيقي بين جماليات مختلفة، لا مجرد مقارنة بين عروض تنتمي إلى بيئات لا تتشابه في أدواتها ولا في مرجعياتها، ومن هنا يمكن قراءة اختيار لجان التحكيم باعتباره جزءًا من هوية المهرجان نفسه، وليس مجرد إجراء تنظيمي.

المسرح لا ينتهي عند إسدال الستار

وتفتح الدورة الثانية كذلك مساحة للورش والندوات والبرامج الفكرية المصاحبة، بما فيها ورشة «الممثل والجسد»، في محاولة لخلق تفاعل يتجاوز مشاهدة العروض إلى التعلم والحوار وتبادل الخبرات، وهذا الجانب يمثل عنصرًا حاسمًا في أي مهرجان يريد أن يترك أثرًا مستدامًا؛ فالعرض ينتهي بانتهاء ليلته، أما المعرفة التي تنتقل إلى الفنانين والنقاد والطلاب فتستطيع أن تستمر بعد انتهاء المهرجان، ومن هنا تصبح الورش والندوات جزءًا من اختبار آخر للمهرجان: هل يستطيع أن يكون مدرسة مؤقتة للمسرح، وليس فقط مسرحًا كبيرًا للعروض؟

ظفار.. من مهرجان وليد إلى مشروع مسرحي

الدورة الثانية تضع مهرجان ظفار الدولي للمسرح أمام مرحلة مختلفة، فالدورة الأولى كانت بمثابة إعلان الميلاد، أما الثانية فهي محاولة لتثبيت المهرجان على خريطة التظاهرات المسرحية العربية والدولية. وبين المرحلتين تتغير طبيعة السؤال.

9 أيام.. والاختبار يبدأ من الخشبة

على مدار تسعة أيام، تتحول ظفار إلى مساحة للحوار بين مدارس مسرحية متعددة، من «شجرة اللبان» و«روميو وجولييت» و«الهاربات» و«رقصة البنفسج» في عروض النخبة، إلى «روضة العشاق» و«بيت أبو عبدالله» و«هاملت» و«غياهب الروح» و«متولي وشفيقة» و«أصحاب السبت» و«أزيف نفسي» في العروض الكبرى.

لكن خلف هذا التنوع الكبير يبقى السؤال النقدي الأهم: أي عرض سيستطيع أن يتجاوز حدود جنسيته وثقافته ليصل إلى المتلقي؟

فالمسرح في النهاية لا ينتصر بعدد المشاركين، وإنما بقدرته على صناعة الدهشة والسؤال والاختلاف، ومن هذه الزاوية، فإن الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح لا تمثل مجرد احتفالية جديدة، بل اختبارًا مبكرًا لمشروع يريد أن يكبر.

لقد ارتفع الستار بالفعل، وحضر النجوم، واكتملت لجان التحكيم، وبدأت المنافسة على 150 ألف دولار، لكن الجائزة الأهم التي يسعى إليها المهرجان ليست على خشبة المنافسة.

إنها أن ينجح ظفار في أن يصبح اسمًا ثابتًا في خريطة المسرح العربي والدولي، وأن تتحول صلالة، كل عام، إلى موعد ينتظره المسرحيون، لا مجرد مدينة تستضيفهم، وهذه الجائزة.. لن تمنحها لجنة تحكيم، الجمهور والتاريخ وحدهما سيحكمان عليها.