هناك أعمال درامية تنتهي حلقاتها، لكن إحساسها يظل عالقا معك لبعض الوقت و«لعبة جهنم» واحدة من هذه الأعمال، ليس لأنها تقدم حكاية من الخيال، ولكن لأنها تستند إلى جريمة حقيقية، وهو ما يجعل مشاهدتها أكثر قسوة.
«لعبة جهنم» ، حكاية من ضمن خمس حكايات يقدمها مسلسل “القصة الكاملة” وكل حكاية تمتد إلى ثلاث حلقات والعمل من إنتاج مجدي الهواري وقد أعلن الاستعانة بحكايات صانع المحتوى “سامح سند”، الذي يقدمه عبر قناته على “يوتيوب” برنامجا يروي من خلاله حكايات عن الحوادث والجرائم والوقائع الحقيقية.
الحكاية التي تناولتها «لعبة جهنم» تعود إلى جريمة حدثت عام ٢٠٢٤ في منطقة شبرا الخيمة بعد العثور على جثة طفل داخل شقة، وكشفت التحقيقات عن مرتكب الجريمة، ثم قادت الاعترافات إلى المحرض، وهو صبي مصري لم يتجاوز الثامنة عشرة كان يقيم في الكويت مع اسرته.
من الاحتياج إلى الجريمة
من هنا تبدأ الحكاية الدرامية مع “علاء” الذي يجسده محمد فراج، وهو رجل يظهر في البداية داخل المسجد واعظا للشباب، ثم سرعان ما نكتشف وجها آخر من حياته، فقد هرب إلى منطقة شعبية بسبب الديون، وباع كليته ولم يتخلص رغم ذلك من أزمته المالية حتى وصل به الأمر إلى سرقة صندوق التبرعات ومحاولة بيع فص من كبده عبر فيسبوك.
ومن خلال هذا الإعلان يتعرف “علاء” على “سليم”، الشاب الذي يجسد شخصيته عمر رزيق، والذي يعيش خارج مصر، ولديه شغف بالذكاء الاصطناعي لكنه يستخدم هذا العالم بطريقة شديدة السواد، فيبدأ في اختبار الضحية ويبدأ بسلسلة من الطلبات الإجرامية ووقع اختياره على
“علاء” وبدأ معه باختبار من مجموعة أسئلة ثم بسلسلة من الطلبات، مقابل مبالغ مالية تتصاعد تدريجيا من تسجيل صوت طفل يبكي، إلى قتل حيوان وتصويره وصولا إلى الطلب الأكثر قسوة قتل طفل مقابل مبلغ مالي كبير.
“علاء” يدخل اللعبة بسبب احتياجه الشديد للمال، ومع كل طلب ينفذه يجد نفسه يخطو خطوة جديدة نحو الجريمة، إلى أن يستدرج الطفل “حسن”، الذي يؤدي دوره منذر مهران، وينتهي الأمر بالقبض على “علاء وسليم” وتنفيذ حكم القضاء فيهما.
المشكلة ليست في الجريمة.. بل في تحويلها إلى دراما
لكن المشكلة هنا ليست في بشاعة الجريمة فهي بشعة بالفعل وإنما في الطريقة التي تحولت بها إلى دراما.
يمكن أن نتقبل الحكاية عندما نقرأ تفاصيلها في الصحافة أو نستمع إليها ضمن برنامج يروي جرائم حقيقية مثل برنامج سامح سند، لكن عندما تنتقل إلى الدراما، يصبح من حقنا أن نسأل ماذا أضافت الدراما إلى ما نعرفه بالفعل؟، وهنا أعتقد أن “لعبة جهنم” نجحت أكثر في صناعة الإحساس بالجريمة ولم تنجح بالقدر نفسه في فهم الشخصيات التي صنعتها.
صورة بصرية تجعلنا داخل الحادثة
المخرج إسلام خيري نجح في خلق حالة بصرية شديدة التأثير اختيار المنطقة، والشقة والديكور وزوايا الكاميرا والإضاءة كلها عناصر جعلت المشاهد يشعر وكأنه قريب جدا من الحادثة وليس أمام مجرد مشاهد درامية، الصورة قاتمة، والأجواء خانقة وكل التفاصيل تقريبا تدفعك إلى الشعور بالضيق، وهذا يحسب للمخرج، لكن في الوقت نفسه يطرح سؤالا، هل القتامة والقدرة على إزعاج المشاهد تكفي لصناعة دراما قوية؟، في رأيي لا، لأن الدراما لا يكفيها أن تجعلنا نرى الجريمة، وإنما يجب أن تساعدنا أيضا على فهم الشخصيات ودوافعها.
علاء.. شخصية نفهم طريق سقوطها
وهنا تحديدا تأتي مشكلتي مع شخصية “سليم” ، فـ”علاء” رغم كل ما ارتكبه قدم لنا السيناريو مفاتيح لفهم سقوطه؛ رجل غارق في الديون باع كليته، وحاول بيع جزء من جسده ووصل إلى مرحلة أصبح فيها المال بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت، نحن لا نبرر ما فعله لكننا نفهم الطريق الذي أوصله إليه.
سليم.. الشخصية التي غاب تفسيرها
أما “سليم” فالأمر مختلف، نحن أمام شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة، يعيش في أسرة تبدو مستقرة وإيجابية، والده طبيب جراح ووالدته حريصة على الخير والتكافل، ومع ذلك يصل إلى هذه الدرجة من القسوة بل ويتحول العنف بالنسبة إليه إلى لعبة.
المسلسل يشير إلى أن الأب والأم كانا منشغلين لكن هل هذه إجابة كافية؟ بالطبع لا، لأن معظم بيوتنا الأب والأم يعملوا، فانشغال الأب والأم ليس سببا كافيا لتحويل طفل إلى شخص يستمتع بالعنف ويحرض على قتل طفل آخر، كان يمكن للسيناريو ، الذي كتبته نجلاء الحديني ، أن يقدم لنا مفاتيح أكثر لفهم الشخصية: كيف بدأ هذا الميل؟ متى تحول فضوله إلى هوس؟ ولماذا أصبح العنف بالنسبة إليه متعة؟
أنا لا أطالب بأن يبرر العمل جريمة “سليم”، ولا أن يجعلنا نتعاطف معه، لكنني كنت أحتاج إلى أن أفهمه أكثر، وهنا أشعر أن المعالجة الدرامية ظلت قريبة من الحكاية الأصلية كما رويت ولم تمنح الشخصية المساحة الكافية لإعادة بنائها نفسيا ودراميا.
التمثيل يمنح الشخصيات حياة
وفي المقابل كان التمثيل من أهم نقاط قوة العمل، محمد فراج قدم أداء قويا جدا في شخصية “علاء”، واستطاع أن ينقل التحولات التي تمر بها الشخصية من الاحتياج إلى التورط ثم الجريمة.
وعمر رزيق كان لافتا في شخصية “سليم”، وخصوصا في هدوء الشخصية وبرودها وهو ما جعلها أكثر إثارة للقلق، كذلك قدم الطفل منذر مهران أداء بسيطا جيدا ومؤثرا في دور “حسن”، وهنا تبدو المفارقة، الممثلون نجحوا في منح الشخصيات حياة وملامح واضحة بينما لم يمنحها السيناريو بالقدر نفسه من العمق.
المنطقة الشعبية بين الواقعية والصورة النمطية
وهناك نقطة أخرى توقفت أمامها وهي الصورة شديدة القتامة للمنطقة الشعبية، ليس الاعتراض على تصوير الفقر أو المناطق الشعبية فالدراما من حقها أن تقدم الواقع كما تراه، لكن المشكلة في أن المكان ظهر وكأنه محاط طوال الوقت بالقبح والفقر والجريمة، بما قد يعيد إنتاج صورة نمطية عن المناطق الشعبية باعتبارها بيئة يمكن أن يحدث فيها أي شيء، خصوصا أن العمل يعرض على منصة عربية واسعة الانتشار، وبالتالي فالصورة التي يقدمها لا يشاهدها المصريون فقط، الفقر يمكن أن يكون سببا في الضغط لكنه ليس مرادفا لانعدام الأخلاق والمناطق الشعبية ليست بيئة للجريمة بطبيعتها.
ما ينقص “لعبة جهنم”.. المزيد من الفهم
حكاية “لعبة جهنم” ليست عملا يمكن اختزاله في أنه جيد أو سيئ، هو عمل لديه إخراج قوي وصورة مؤثرة وتمثيل جيد جدا خصوصا من “محمد فراج وعمر رزيق والطفل منذر مهران” وباقي الأبطال، لكن كان ينقصه في رأيي شيء أهم من زيادة جرعة القسوة، المزيد من الفهم،
فالمخرج نجح في أن يجعلنا نصدق الجريمة ونشعر وكأننا داخلها، لكن السيناريو لم ينجح بالقدر نفسه في أن يجعلنا نفهم الإنسان الذي ارتكبها، وهنا يبقى السؤال الذي خرجت به من الحكاية،
هل يكفي أن تنقل الدراما لنا بشاعة الجريمة أم أن دورها الحقيقي يبدأ من اللحظة التي تسأل فيها لماذا حدثت؟
