تغطية: يسر العوني – تونس
شهد المسرح الروماني بقرطاج واحدة من أكثر أمسيات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي تميزًا، بعدما قدّم الفنان والموسيقار العالمي سامي يوسف عرضًا استثنائيًا مزج فيه بين الإنشاد الصوفي، والموسيقى الكلاسيكية، والتراث الشرقي، في مشروع فني متكامل حمل عنوان “Sophia Collective”، مؤكدًا مكانته كأحد أبرز الفنانين الذين نجحوا في تحويل الموسيقى إلى جسر للحوار بين الثقافات.
وعلى مدار ساعتين، عاش جمهور قرطاج تجربة موسيقية مختلفة، اتسمت بحالة من الإنصات العميق، لم يقطعها سوى التصفيق الحار عقب كل مقطوعة، في مشهد عكس حجم التفاعل مع العرض الذي اعتمد على الرؤية الفنية أكثر من اعتماده على عناصر الإبهار التقليدية.
عودة طال انتظارها
مثّل الحفل أول ظهور لسامي يوسف على خشبة مهرجان قرطاج الدولي، كما جاء بعد أكثر من أربعة عشر عامًا على آخر لقاء جمعه بالجمهور التونسي خلال حفله بمدينة رادس عام 2012، ليعود هذه المرة بمشروع موسيقي عالمي يضم أربعين موسيقيًا ومنشدًا وعازفًا من جنسيات وثقافات متعددة، تجمعهم فكرة واحدة مفادها أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود وصناعة لغة إنسانية مشتركة.
وأكد سامي يوسف، في تصريحات سابقة، أن اختياره لقرطاج لم يكن مصادفة، معتبرًا أن هذا المسرح التاريخي يمثل الفضاء الأمثل لتقديم مشروعه، وأن البرنامج صمم خصيصًا لينسجم مع خصوصية المكان وعمقه الحضاري، واحترامًا لذائقة جمهور قرطاج المعروف بتقديره للفنون الرفيعة.
رحلة موسيقية بين الأندلس والتصوف
جاءت بنية الحفل أقرب إلى رحلة وجدانية متصاعدة، افتتحها سامي يوسف بمقطوعة “Veritas” التي مهدت لأجواء تأملية عميقة، قبل أن ينتقل إلى أعمال مثل “في الأندلس”، و”تعالي يا روحي”، و”رفع الحجاب”، مقدّمًا رؤية موسيقية تمزج بين الإرث الأندلسي والإنشاد الصوفي والكتابة الأوركسترالية الحديثة.
ولم يكن الانتقال بين هذه الأعمال مجرد تنوع في البرنامج، بل بدا كرحلة عبر حضارات المتوسط، حيث التقت المقامات الشرقية مع التوزيع السيمفوني الغربي في صياغة موسيقية اتسمت بالدقة والثراء.

تحية إلى فلسطين
حظيت القضية الفلسطينية بمساحة مؤثرة في الحفل عندما أدى سامي يوسف عمله “ونحن نحب الحياة” المستوحى من قصيدة الشاعر محمود درويش، مهديًا إياه إلى أهل غزة وفلسطين.
في تلك اللحظة، تجاوز العرض حدوده الفنية، وتحول المسرح إلى مساحة للتأمل في قيم الحياة والحرية والكرامة، وهي الرسائل التي حضرت بقوة في مجمل تفاصيل الأمسية.
الأوركسترا.. بطل العرض الحقيقي
لم تؤدِ الأوركسترا دور المرافقة التقليدية، بل كانت شريكًا رئيسيًا في بناء العمل الفني، حيث نجح العازفون القادمون من مدارس موسيقية متعددة في تقديم حوار متناغم بين الشرق والغرب، وبين الآلات التقليدية والكتابة السيمفونية الحديثة.
واتسم الأداء بدقة تقنية وانسجام لافت، جعل الانتقال بين المقامات والإيقاعات يتم بانسيابية كبيرة، فيما جاءت مشاركات المنشد المغربي إسماعيل بوجية، والفنانة المغربية نبيلة معان، والمنشد الإسباني أسرا مورو، لتضيف أبعادًا صوتية جديدة عززت الطابع العالمي للمشروع.
سينوغرافيا تخدم الفكرة
تميز العرض بسينوغرافيا أنيقة استلهمت عناصرها من الزخارف الهندسية للفن الإسلامي، مع توظيف مدروس للإضاءة التي بدلت ألوانها وإيقاعها تبعًا لكل مقطوعة، لتتحول خشبة المسرح إلى فضاء بصري وروحي متناغم مع الموسيقى، دون إفراط في المؤثرات أو مبالغة في الإبهار.
جمهور يصنع جزءًا من النجاح
كان تفاعل جمهور قرطاج أحد أبرز ملامح السهرة؛ إذ غلب الإنصات والاحترام على أجواء الحفل، في انعكاس واضح لطبيعة المشروع الفني الذي يخاطب العقل والوجدان معًا، بعيدًا عن الصخب المعتاد في الحفلات الجماهيرية.
ليلة تؤكد أن الموسيقى لغة الإنسانية
أكد سامي يوسف، خريج الأكاديمية الملكية للموسيقى في لندن، مرة أخرى خصوصية مشروعه الفني الذي يجمع بين التقاليد الموسيقية الشرقية والكتابة الكلاسيكية الغربية، واضعًا الحوار بين الثقافات في قلب تجربته الإبداعية.
وغادر جمهور قرطاج المسرح وهو يحمل تجربة موسيقية وروحية متكاملة، أثبتت أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يترك أثره، وأن الموسيقى، عندما تبنى على المعرفة والجمال والقيم الإنسانية، تستطيع أن تحول مسرحًا أثريًا عمره آلاف السنين إلى فضاء نابض بالأمل، ولغة عالمية يفهمها الجميع دون ترجمة.
