كان – عبدالستار ناجي
حينما قدم المخرج الأميركي جيمس جراي فيلمه الأول «أوديسا الصغيرة» عام 1994، لفت الأنظار إلى موهبة سينمائية واعدة، لمخرج بدا وكأنه يسير على خطى كبار السينما الأميركية الحديثة. ومن تجربة إلى أخرى، راح جراي يعزف على الثيمة ذاتها، الأسرة في مواجهة التحديات والانهيارات والمواجهات القاسية.
هكذا كان الحال في «ذا يارد» عام 2000، و«نحن ملوك الليل» عام 2007، وصولًا إلى أحدث أعماله «النمر الورقي»، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي.
استعادة بلا جديد
في فيلمه الجديد، يعود جراي إلى العالم الذي يعرفه جيدًا،” العائلة اليهودية، المافيا الروسية، الطموح، الخيانة، والأحلام التي تتحول إلى كوابيس”، لكن المشكلة الأساسية أن «النمر الورقي» يبدو وكأنه إعادة تدوير لكل الحكايات السابقة التي اشتغل عليها المخرج، دون أي إضافة حقيقية أو تطور نوعي في الرؤية أو المعالجة.
وفي فيلمه الروائي التاسع، يعود جراي إلى أجواء أفلامه الأولى، مقدمًا دراما جريمة متقنة شكليًا، تدور حول عصابات روسية وعائلة يهودية مفككة في حي كوينز بنيويورك.
الفيلم يستند إلى أداء جيد من آدم درايفر في دور الأخ الأكبر غاري، صاحب النفوذ والعلاقات، مقابل شقيقه المهندس إروين الذي يجسده مايلز تيلر، حيث يدخل الشقيقان في مشروع لتنظيف ممر مائي محلي يعد بأرباح هائلة، لكنه يقودهما تدريجيًا إلى دائرة الخطر والموت.
وكما اعتدنا في سينما جراي، يقدم الفيلم نظرة قاتمة للحلم الأميركي، لكن رغم التوتر الهادئ والصراع المتصاعد بين الأخوين، فإن التجربة تبدو مألوفة إلى حد كبير، بلا حلول جديدة أو طروحات تضيف شيئًا حقيقيًا إلى رصيد هذا المخرج الذي يحظى دائمًا بدعم نقدي وإعلامي واسع في الولايات المتحدة.

حتمية الفاجعة
تبدأ الأحداث في سبتمبر 1986، حين يقنع غاري شقيقه الأصغر إروين بالمشاركة في مشروع ضخم مرتبط بالمافيا الروسية. إروين، المنتمي للطبقة العاملة والمتزوج من هيستر، التي تجسدها سكارليت جوهانسون، يتردد في البداية خوفًا من التورط مع عالم الجريمة، لكن إغراء المال وضمانات شقيقه تدفعه إلى القبول.
المعادلة التي يكررها جراي هنا هي ذاتها التي شاهدناها مرارًا في أعماله السابقة: الإنسان البسيط حين يدخل في مواجهة مع المافيات الكبرى، نادرًا ما تكون نهايته سعيدة. ومنذ «أوديسا الصغيرة»، تبدو شخصيات جراي وكأنها تسير دومًا نحو مصير محتوم من الانهيار والفاجعة.
وبالتعاون مع مدير التصوير خواكين باكا-آساي، الذي سبق أن عمل معه في «نحن ملوك الليل» و«عاشقان»، يركز جراي على بناء الأجواء النفسية والشخصيات أكثر من اهتمامه بتطوير الحبكة، ليقدم دراسة حزينة عن رجال يحلمون بالثراء، لكنهم ينتهون إلى الخراب.

أداء قوي وسط تكرار واضح
يقدم آدم درايفر أداءً لافتًا في دور غاري، إذ يمنح الشخصية مزيجًا معقدًا من التبجح والخوف والخداع الذاتي. ومنذ اللحظة الأولى ندرك أن غاري مجرد رجل يبيع الأوهام، لكن درايفر ينجح في إبقاء المشاهد مشدودًا إلى التناقضات الداخلية التي تحكم الشخصية.
ومع تصاعد الأزمة وانهيار الصفقة مع المافيا الروسية، تبدأ التصدعات النفسية في الظهور تدريجيًا على ملامح غاري، في أداء يعتمد على التفاصيل الدقيقة أكثر من الانفجارات الانفعالية المباشرة.
أما سكارليت جوهانسون، فرغم محدودية مساحتها، تمنح شخصية هيستر حضورًا إنسانيًا مؤثرًا، خصوصًا مع تطور حالتها الصحية الغامضة وتشوش بصرها، وهو خط درامي يخلق توازنًا مقلقًا مع أزمة الشقيقين المتصاعدة. كما تقدم نموذج المرأة اليهودية الأميركية التقليدية التي طالما ظهرت في أفلام مارتن سكورسيزي ووودي آلن وغيرهما من صناع السينما الأميركية اليهود.

النهاية المتوقعة
ورغم أن جراي يخفف هذه المرة من جرعة العنف المباشر مقارنة بأعماله السابقة، فإنه يحتفظ بكل الطاقة المتوترة إلى المشهد الختامي، حيث تنفجر المواجهة بين العصابة الروسية والشقيق الأكبر، لتنتهي الأحداث كما كان متوقعًا بالفاجعة والانهيار.
وفي المحصلة الأخيرة، يبدو «النمر الورقي» فيلمًا لا يضيف شيئًا حقيقيًا إلى مسيرة جيمس جراي، ولا حتى إلى رصيد مهرجان كان السينمائي. تجربة جيدة الصنع على المستوى التقني والتمثيلي، لكنها تظل خالية من الدهشة، ومحبطة قياسًا إلى اسم مخرج يمتلك تاريخًا سينمائيًا كبيرًا.
ويبقى أن نقول: حين يكرر المخرج ذاته، تفقد حتى أكثر الحكايات قتامة قدرتها على الإدهاش.
