كان – عبدالستار ناجي
قدّم النجم الأميركي جون ترافولتا أولى تجاربه الإخراجية من خلال فيلم «بروبيلر وان-واي نايت كوتش»، والذي اختير رسميًا ضمن برنامج Cannes Film Festival، في خطوة بدت أقرب إلى مشروع شخصي شديد الخصوصية، يحمل الكثير من ملامح السيرة الذاتية والحنين إلى الماضي، أكثر مما يحمل طموحًا سينمائيًا متكاملًا.
الفيلم، كما أعلن ترافولتا، لا يقتصر على كونه تجربة فنية جديدة، بل يمثل انعكاسًا مباشرًا لعلاقته القديمة بعالم الطيران، ذلك الشغف الذي لازمه منذ الطفولة ودفعه لاحقًا ليصبح طيارًا حقيقيًا إلى جانب مسيرته الفنية الطويلة في هوليوود.
رحلة جوية بين الذاكرة والخيال
ينطلق الفيلم من عالم الطائرات والسفر الجوي، وهي البيئة التي طالما أسرت خيال ترافولتا، ليقدم حكاية تمزج بين الذكريات الشخصية والخيال السينمائي. ومن خلال هذه الرحلة، يبدو العمل وكأنه نافذة مفتوحة على قلب صاحبه وطفولته أكثر من كونه فيلمًا دراميًا تقليديًا.
واستنادًا إلى كتاب ألّفه ترافولتا عام 1997، يأتي مشروع Apple Original Films بمدة لا تتجاوز 61 دقيقة، إلا أن إيقاعه البطيء يجعل زمنه يبدو أطول بكثير.
ويروي الفيلم قصة الطفل جيف، الذي يؤدي دوره كلارك شوتويل، والمولع بالطائرات منذ سنواته الأولى، حيث كان يقضي وقته في متابعة جداول الرحلات الجوية والتأمل في تفاصيل السفر الجوي، من المطارات إلى الوجبات المقدمة على متن الطائرات وحتى المضيفات.
وعندما تقرر والدته العزباء هيلين، التي تجسدها كيلي إيفيستون-كوينيت، الانتقال إلى لوس أنجلوس، يختاران السفر عبر طائرة مروحية بمحطات متعددة بدلًا من الرحلات النفاثة السريعة، لتبدأ رحلة طويلة عبر المطارات الأميركية.

شخصيات عابرة وبناء درامي هش
كان يمكن لهذا البناء الدرامي أن يمنح الفيلم مساحة ثرية لتقديم شخصيات متنوعة ومواقف إنسانية متشابكة خلال الرحلة، إلا أن السيناريو لم يستثمر هذه الإمكانيات بالشكل المطلوب.
فباستثناء شخصية المضيفة التي يقع جيف في غرامها، والتي أدتها إيلا بلو ترافولتا ابنة جون ترافولتا بحضور لافت وكاريزما واضحة، تبدو أغلب الشخصيات الأخرى عابرة، تدخل الأحداث وتغادرها دون أثر درامي حقيقي أو قيمة فنية ملموسة.
كما يلمح الفيلم إلى بعض الخطوط الإنسانية المثيرة للاهتمام، مثل الرجل الذي يتم نقله إلى مستشفى للأمراض العقلية، أو الصديق الذي يلتقيه جيف في محطته الأخيرة ويشاركه شغفه بالطيران، إلا أن هذه الخطوط تظل سطحية وغير مكتملة، وكأنها مجرد أفكار عابرة لم تجد طريقها إلى عمق المعالجة.
حنين مفرط إلى زمن الطيران القديم
يعتمد الفيلم بشكل أساسي على جرعات كثيفة من الحنين إلى الماضي، خاصة لعالم الطيران الكلاسيكي وأجواء السفر القديمة، لكنه يفعل ذلك بأسلوب أقرب إلى الاستعراض العاطفي منه إلى البناء السينمائي المتماسك.
وتظل الأحداث تدور في دائرة واحدة، حيث تتكرر الشخصيات والمواقف دون تصاعد حقيقي أو تكثيف للبناء الدرامي، ليصبح الفيلم أقرب إلى ألبوم ذكريات شخصية يحتفي بزمن مضى أكثر من كونه تجربة سينمائية تحمل رؤية إخراجية متكاملة.

تجربة شخصية أكثر منها سينمائية
في المحصلة، تبدو تجربة John Travolta الإخراجية الأولى محاولة صادقة لاستعادة ذكرياته وشغفه القديم بعالم الطيران، لكنها تظل تجربة محدودة فنيًا، تفتقر إلى العمق البصري والدرامي الذي يليق باسم ومكانة أحد أبرز نجوم السينما الأميركية.
فيلم «بروبيلر وان-واي نايت كوتش» قد يكون عملاً عائليًا وحميميًا بالنسبة لصاحبه، لكنه في النهاية لا ينجح في التحليق بعيدًا على المستوى السينمائي، ليبقى مجرد رحلة حنين طويلة بلا أجنحة إبداعية حقيقية.
