عبدالستار ناجي يكتب من كان :
يمثل المخرج الياباني فوكادا كوجي واحدًا من أهم الرهانات السينمائية في اليابان وآسيا، لما يقدمه من اشتغالات سينمائية خاصة راحت ترسخ حضوره الفني العالي الكعب، وفي مسيرة هذا المبدع عدد من الأعمال التي تعود إلى عام 2010 من خلال فيلم ضيافة، ولاحقًا وداعًا للصيف وسيونارا وهارموني، وصولًا إلى حب في المحكمة، وأخيرًا فيلمه الجديد أيام في ناجي – وتنطق بشدة على الجيم – والذي عرض ضمن المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي الدولي.
منذ اللحظة الأولى، يأخذنا فيلم “أيام في ناجي”– أو “ملاحظات في ناجي” حسب الترجمة الإنجليزية – إلى عالمه الخاص. ويروي الفيلم قصة امرأتين في منتصف العمر؛ يوري، التي تؤدي دورها شيزوكا إيشيباشي، ويوريكو، التي تجسدها تاكاكو ماتسو، حيث تلتقيان مجددًا في بلدة “ناجي” الريفية اليابانية خلال بضعة أيام من فصل الربيع.
يوري هي الزوجة السابقة لشقيق يوريكو، لكنهما حافظتا على علاقة وثيقة، تعمل يوريكو في ناجي، في الخفاء، نحاتة لتماثيل بشرية منحوتة من كتل خشبية خام، بينما تعمل يوري مهندسة معمارية في شركة كبرى بطوكيو تنفذ مشاريعها في تايوان، وقد جاءت لزيارة يوريكو بعد أن وجدت نفسها في مأزق مهني وشخصي.
يصوّر فوكادا الحياة الريفية اليابانية في ناجي بمودة واضحة، وبينما تعيد المرأتان التواصل وتتفاعلان مع عدد محدود من السكان المحليين، تتراكم الذكريات والتوترات وصولًا إلى مواجهة غير متوقعة. وهنا تأتي الكتابة المتأنية للشخصيات، إلى جانب التنامي الهادئ للأحداث والحلول الإخراجية التي تراعي المكان والزمان، وكذلك لحظات التحول في الشخصيات المحورية.
المواجهة تبدو في ظاهرها بسيطة؛ امرأة تزور أرملة شقيقها، لكن كل واحدة منهما كانت، على ما يبدو، تنتظر تلك الزيارة القادمة من تايوان. يوري تبدو وكأنها تهرب من مستقبل مهني مظلم دفعها إلى هذه المواجهة، بينما تقضي يوريكو وقتها في صناعة التماثيل البشرية من الخشب والطين، وكأنها تخفي خلف كل تمثال حكاية، ربما من بينها حكاية زوجها وبقية أفراد الأسرة.
وفي خط موازٍ، هناك عدد من الخطوط الدرامية التي ترفد البناء الفني، خصوصًا حكايات شباب القرية العاشقين للفنون التشكيلية.
بين يوريكو الأرملة ويوري، حكايات ظنت كل منهما أنها ذهبت إلى النسيان، لكن اللقاء الذي توقع الجميع أن يمر مرور الكرام يتحول إلى بركان هادئ، تتجلى ملامحه حين تقوم يوريكو بتدمير التمثال الذي صنعته ليوري بحجة أنه لم يعجبها، فهي اعتادت دائمًا تدمير الأعمال التي لا ترضيها. لكن ماذا وراء هذا التحول؟
الفيلم غير تقليدي منذ اللحظة الأولى لوصول يوري إلى ناجي، حيث نشاهد عربات عسكرية تخترق الشوارع، بينما تجري الأحداث على وقع بيانات إذاعية تتحدث عن تدريبات يومية لقوات الدفاع الذاتي، وكأن اليابان تترقب ما هو قادم، مع إشارات واضحة إلى الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها.
ويعتمد الفيلم على لغة سينمائية تقوم على ثبات الكاميرا، مع حركة احترافية للممثلين داخل الكادر، عبر زوايا متعددة تمثل وجهات نظر مختلفة وعامرة بالعمق.
السينما التي يقدمها فوكادا كوجي تنتمي إلى نوع مختلف؛ فهي لا تحاور العين بقدر ما تحاور العقل، ولا تخاطب الحواس بقدر ما تذهب إلى مناطق الاكتشاف والبحث، ومن هنا يأتي الرهان الحقيقي الذي يمثله هذا المبدع المتجدد.
