«كولونيا» يتوّج بالنيل الكبري .. وأحمد مالك أفضل ممثل في جوائز مهرجان الأقصر  

بقلم محمد قناوي

في مشهد ختامي حمل دلالات فنية وثقافية لافتة، أسدل مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية الستار على دورته الخامسة عشرة برئاسة السيناريست سيد فؤاد وادارة المخرجة عزة الحسيني ، بتتويج الفيلم المصري «كولونيا» للمخرج محمد صيام بجائزة النيل الكبرى لأفضل فيلم، فيما حصد أحمد مالك جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم نفسه، في لحظة بدت كأنها إعلان صريح عن تحولات نوعية في السينما المصرية، داخل سياق أفريقي أكثر اتساعًا.

«كولونيا»… حين تحسم الصورة المعادلة

لم يكن فوز «كولونيا» مجرد تتويج تقليدي، بل جاء تتويجًا لتجربة تعتمد على سرد بصري متماسك، ولغة سينمائية تميل إلى الاقتصاد والعمق، بعيدًا عن المباشرة،هذا النمط من الأفلام يعكس تطورًا في الذائقة الفنية داخل المهرجان، ويؤكد أن المنافسة لم تعد تحسم فقط بالموضوع، بل بكيفية تقديمه بصريًا وبنيويًا.

أحمد مالك.. أداء يكتب ملامح جيل

في السياق نفسه، جاء تتويج أحمد مالك ليكرّس حضور جيل جديد من الممثلين، يعتمد على الأداء الداخلي والتعبير الهادئ، القادر على نقل التحولات النفسية دون مبالغة، هذا الفوز لا يخص ممثلًا بعينه بقدر ما يعكس تحوّلًا أوسع في مفهوم التمثيل داخل السينما المصرية المعاصرة.

جوائز الفيلم الطويل .. بين الهيمنة والتوازن

ضمن مسابقة الفيلم الطويل، عزز «كولونيا» حضوره بجائزتي أفضل فيلم وأفضل ممثل، بينما ذهبت جائزة أفضل إسهام فني (تصوير) إلى فيلم «القصص» لمدير التصوير وولفجانج ثالر، في تقدير واضح للجانب البصري، في المقابل، منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة لفيلم «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا مرغني، في إشارة مهمة إلى صعود السينما السودانية، بما يحقق قدرًا من التوازن بين الحضور المصري وبقية الأصوات الأفريقية.

الأفلام القصيرة .. القارة تتكلم بصوت الشباب

في مسابقة الفيلم القصير، فاز «أحلام دندرة» بالجائزة الكبرى، بينما حصل «عائشة» من المغرب على القناع الفضي، وذهبت جائزة الإسهام الفني إلى «همسات من الريح» من رواندا، مع تنويهات خاصة لأفلام من السنغال ونيجيريا، هذا التنوع الجغرافي يؤكد أن السينما القصيرة باتت المساحة الأوسع لتجريب أشكال جديدة من التعبير، وكشف أصوات أفريقية شابة تعيد رسم ملامح القارة سينمائيًا.

الدياسبورا… هوية تتجاوز الجغرافيا

أما في مسابقة الدياسبورا، ففاز «عيون غانا» بالجائزة الكبرى، وحصل «الشعب الحارس» على جائزة لجنة التحكيم، فيما نال حسام داغر تنويهًا خاصًا عن فيلم «40 يوم»، تعكس هذه النتائج تحوّل مفهوم السينما الأفريقية من حدود جغرافية إلى فضاء ثقافي مفتوح، حيث تصبح الهوية أكثر ارتباطًا بالقضية والرؤية.

جوائز خاصة .. السينما كمرآة للواقع

جاءت جائزة رضوان الكاشف لتذهب إلى فيلم «قضاء الرب» من جنوب أفريقيا، لتؤكد استمرار دعم الأفلام التي تنشغل بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، في امتداد لروح سينما الكاشف.

سينما الصعيد.. التعدد بدل الحسم

وفي مسابقة أفلام الصعيد، قُسمت الجوائز مناصفة بين أكثر من عمل، حيث فاز «الصابي» و«البحث عن مأوى» بجائزة أفضل فيلم، بينما تقاسم «فاطمة» و«رحلة عبر المتوسط» جائزة لجنة التحكيم. هذا التوجه يعكس رغبة في احتواء أكبر عدد من التجارب، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول حسم المعايير النقدية.

جوائز الدعم .. المهرجان كمنتج لا مجرد منصة

لم تتوقف أهمية الدورة عند حدود الجوائز الرسمية، بل امتدت إلى دعم المشاريع المستقبلية، حيث حصل «Terri-Tura» و«العودة إلى حديقة الحيوان» على جوائز إنتاج مشترك، إلى جانب جوائز مالية لأفلام مثل «ضيق الدنيا الواسعة» و«عطارد» و«صورة غير ملتقطة»، فضلًا عن دعم الأفلام القصيرة وخدمات ما بعد الإنتاج. هذا التوجه يعزز دور المهرجان كفاعل حقيقي في صناعة السينما، لا مجرد عارض لها.

بين الاستحقاق والتنوع… معادلة مفتوحة

تكشف خريطة الجوائز عن معادلة دقيقة: حضور مصري قوي في الجوائز الكبرى، مقابل تنوع أفريقي واضح في المسابقات الأخرى. ورغم أن هذا التوازن يبدو مقبولًا، فإنه يظل مفتوحًا على نقاش نقدي حول كيفية تحقيق تمثيل أكثر عدالة داخل مهرجان يحمل اسم القارة بأكملها.

مهرجان يصنع المعنى لا الجوائز فقط

بهذه الدورة، يؤكد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية أنه يتجاوز كونه منصة لتوزيع الجوائز، ليصبح مساحة لإعادة التفكير في شكل السينما الأفريقية ومستقبلها؛ بين أفلام تحصد التتويج، وأخرى تنتظر الدعم، وبينهما سؤال مستمر: كيف يمكن للسينما أن تعبّر عن قارة بكل هذا الثراء والتناقض؟