«فوزية» لمنتصر سعد نجيب: سرد للقرية المصرية وتصحيح صورة الأنثى ضمن مشروع أدبي توثيقي

تأتي رواية «فوزية» للكاتب منتصر سعد نجيب بوصفها نصًا يتجاوز حدود الحكاية الفردية، ليؤسس لسرد اجتماعي واسع يرصد بنية القرية المصرية من الداخل، بعلاقاتها المعقدة، وقيمها المتوارثة، وصراعاتها الصامتة، وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية التي تتسلل ببطء إلى نسيجها التقليدي.

لا تتعامل الرواية مع القرية كخلفية جامدة للأحداث، بل ككائن حيّ، له منطقه الخاص، وذاكرته الجمعية، وآلياته الصارمة في إنتاج السلطة الاجتماعية وتوزيع الأدوار والاتهامات والأحكام.

الأنثى خارج خطاب الشكوى

تنجح الرواية في تقديم نموذج مغاير لصورة المرأة الريفية؛ إذ لا تضع «فوزية» في موقع الضحية المستسلمة أو الأنثى الباكية على هامش الأحداث، بل تمنحها موقع الفاعل داخل منظومة اجتماعية قاسية.

تظهر البطلة بوصفها: صاحبة قرار، قادرة على التكيّف والمواجهة، واعية بحدودها وبمساحات مقاومتها، متورطة في الحياة لا منسحبة منها، وبذلك يبتعد النص عن خطاب الاستعطاف أو المظلومية المباشرة، ويقترب من تفكيك البنية الثقافية التي تنتج تهميش المرأة، لا الاكتفاء بتوصيف نتائج هذا التهميش.

القرية كنظام اجتماعي كامل

من خلال شبكة الشخصيات المحيطة بـ«فوزية»، يرسم الكاتب خريطة دقيقة لعلاقات الإنسان الريفي: بالأرض بوصفها مصدر سلطة لا مجرد ملكية، بالحيوان باعتباره شريكًا في البقاء، بالعرف باعتباره قانونًا غير مكتوب، وبالسلطة الاجتماعية التي تمارَس عبر السمعة والوصاية والرقابة الأخلاقية

ويكشف النص كيف تتشكل القيم داخل هذا العالم المغلق، وكيف تتحول الأعراف إلى أدوات ضبط، وكيف تتحمل المرأة النصيب الأكبر من كلفة هذا التكوين الاجتماعي، سواء عبر القمع أو الاتهام أو التضحية الصامتة.

مشروع لتوثيق ما يتآكل

تندرج «فوزية» ضمن مشروع أدبي واضح للكاتب، لا يقوم على النوستالجيا أو تمجيد الماضي، بل على توثيق الإنسان الريفي قبل أن تبتلعه التحولات السريعة.

مشروع يعتمد على: لغة بسيطة غير مصطنعة ، مشاهد يومية دقيقة، ذاكرة شعبية حاضرة، وتفاصيل صغيرة تتحول إلى مفاتيح لفهم عالم كامل..إنها كتابة تسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة القرية، لا عبر التجميل، بل عبر الاعتراف بصلابتها وقسوتها وجمالها في آن واحد.

إهداء يكشف جوهر الرؤية

في إهداء الرواية، يعلن الكاتب موقفه الإنساني بوضوح، حين يوجّه تحية إلى كل أنثى، وإلى كل «رحم» احتوى الحياة، سواء كان جسديًا أو رمزيًا، في إشارة عميقة إلى الأمومة بوصفها أصل الوجود لا هامشه.

وهو إهداء لا يبدو منفصلًا عن متن الرواية، بل امتدادًا أخلاقيًا وفلسفيًا لها، يؤكد أن النص ليس دفاعًا نظريًا عن المرأة، بل اعترافًا متأخرًا بدور جرى تهميشه طويلًا.

بيانات النشر

صدرت الرواية في القاهرة عام 2025، وهي التعاون الثاني للكاتب مع دار غراب للنشر والتوزيع

تشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 – القاعة الثانية – جناح C46