«مواطن اقتصادي»… مسرح مغربي يعرّي هشاشة الإنسان في زمن السوق

كتبت : صفاء أحمد آغا – القاهرة

ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة، قدّمت الفرقة المغربية مسرحية «مواطن اقتصادي»، في عرض لافت راهن على البعد الفكري والجمالي معًا، مستنطقًا علاقة الإنسان العربي المعاصر بمنظومة الاقتصاد، وما تفرزه من اختلالات اجتماعية ونفسية وقيمية.

المسرحية من تأليف أحمد السبياع وإخراج محمود الشاهدي، وقد اشتغلت على نص ذي طابع نقدي ساخر، يضع “المواطن” في مواجهة مباشرة مع منطق السوق، حيث تختزل القيمة الإنسانية في الإنتاج والاستهلاك، ويعاد تعريف الكرامة والهوية وفق معايير الربح والخسارة.

رؤية إخراجية تراهن على التفكيك

اختار المخرج محمود الشاهدي مقاربة إخراجية تقوم على التفكيك والاختزال، مبتعدًا عن السرد التقليدي، ومعتمدًا بناءً مشهديًا متشظيًا يوازي تشظي وعي الشخصية المعاصرة. العرض لم يقدّم حكاية مغلقة، بقدر ما طرح أسئلة مفتوحة، تاركًا المتفرج في حالة مساءلة دائمة لما يعرض أمامه.

الإخراج نجح في ضبط إيقاع العرض، وتوجيه الممثلين ضمن رؤية جماعية واضحة، مع الحفاظ على مسافة نقدية بين الفعل المسرحي والواقع، بما ينسجم مع الطابع الفكري للنص.

سينوغرافيا دالّة واقتصاد بصري

أسهمت سينوغرافيا الدكتور طارق الربح في ترسيخ البعد الرمزي للعرض، من خلال فضاء مسرحي مرن، قابل للتحول، يعكس هشاشة الواقع الاقتصادي وتقلّباته. جاءت العناصر السينوغرافية موظفة بدقة، دون إفراط، ما منح العرض طابعًا بصريًا متماسكًا يخدم الفكرة ولا يطغى عليها.

أما الإضاءة التي نفذها إدريس إكلا، فقد لعبت دورًا أساسيًا في تشكيل الحالة النفسية للشخصيات، متنقلة بين القسوة والبرود، وبين الظل والنور، بما يعكس التوتر الداخلي الذي يحكم عالم “المواطن الاقتصادي”.

أداء تمثيلي جماعي متوازن

قدّم فريق التشخيص أداءً جماعيًا منسجمًا، حيث برزت جليلة التلمسي وآية جبران في تجسيد شخصيات نسائية محاصَرة بين متطلبات العيش وضغوط الواقع، فيما نجح عبد الرحيم التميمي ومحمد عبو وعدنان قونين وياسين نجاري في تقديم شخصيات متعددة الأبعاد، اتسم أداؤها بالتحكم الجسدي والوعي الإيقاعي، بعيدًا عن الخطابية المباشرة.

الأداء العام اتكأ على التعبير الجسدي والصوتي، أكثر من الاتكاء على الحوار، ما منح العرض بعدًا بصريًا وحركيًا واضحًا.

أزياء وإدارة إنتاج منضبطة

جاءت الأزياء التي صممتها أسماء هموش منسجمة مع هوية الشخصيات وفضاء العرض، معتمدة البساطة والدلالة، دون افتعال. وأسهمت المحافظة العامة لمحسن البودرار في الحفاظ على انسيابية العرض وتنظيم عناصره التقنية.

وعلى مستوى التدبير والتواصل، بدا العمل محكمًا بفضل إدارة رضا الدغمومي فنيًا وإنتاجيًا، وعبد الله الطالب في إدارة التواصل، إلى جانب التوثيق والإعلام لمحسن حمود، ما انعكس إيجابًا على حضور العرض وتنظيم مشاركته في المهرجان.

عرض يطرح السؤال أكثر مما يمنح الإجابة

«مواطن اقتصادي» تجربة مسرحية مغربية جادة، لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تراهن على إزعاج الأسئلة، وتفكيك المسلّمات المرتبطة بعلاقة الإنسان بالاقتصاد والسلطة والقيمة. مشاركتها في مهرجان المسرح العربي بالقاهرة أكدت حضور المسرح المغربي كصوت نقدي واعٍ، قادر على الاشتباك مع القضايا الراهنة بلغة فنية رصينة.

هو عرض يخرج من منطق التسلية العابرة، ليضع المتفرج أمام مرآة قاسية، تعكس واقعًا مألوفًا، لكنه قليلًا ما يرى بهذا الوضوح المسرحي .