بالصدفة، لا بالترقّب، تابعتُ حلقات قليلة من النسخة الجديدة لبرنامج «ذا فويس – أحلى صوت»، ذلك البرنامج الذي كان يومًا ما حدثًا تلفزيونيًا استثنائيًا، يفرض نفسه على الشارع العربي، ويتحوّل عرضه إلى طقس جماعي، وتتصدر أخباره ومناظراته تريندات السوشيال ميديا بلا منازع، لكن المفاجأة المؤلمة أن ما شاهدته لا يمتّ بصلة تقريبًا إلى «ذا فويس» الذي عرفناه في مواسمه الخمسة الأولى.
السؤال هنا ليس عاطفيًا بل نقدي بامتياز: لماذا خفت بريق «ذا فويس»؟ ولماذا تبدو نسخته الحالية بلا روح، وبلا جمهور حقيقي، خصوصًا في مصر؟
أخطر ما يواجه أي برنامج جماهيري ليس النقد، بل التجاهل، النسخة الحالية من «ذا فويس» لا تثير الجدل، لا تناقَش في الجلسات الخاصة، ولا تحضر حتى بوصفها مادة للسخرية كما يحدث مع برامج أخرى، ببساطة: لا أحد يتحدث عنها.
وهذا الغياب يطرح احتمالين: إما أن ذائقة الجمهور تغيّرت وتجاوزت هذا النوع من برامج المسابقات، أو أن الجمهور كفّ عن تصديق برامج تقدَّم تحت لافتة «اكتشاف المواهب» بينما هدفها الأساسي بات تجاريًا بحتًا ، والحقيقة أن الاحتمالين معًا حاضران بقوة.
لجنة التحكيم
أكبر نقاط ضعف الموسم السادس تكمن في لجنة التحكيم، وجود أسماء مثل: ناصيف زيتون، رحمة رياض، وأحمد سعد، لا يمكن الطعن في موهبتهم الغنائية، لكن الموهبة شيء، والقدرة على التحكيم شيء آخر تمامًا، المشكلة ليست فقط في قِصَر الخبرة مقارنة بالأجيال السابقة، بل في القرب العمري بينهم وبين المتسابقين، ما يفقدهم سلطة «الأستاذ»، غياب العمق الموسيقي في التعليقات، افتقار الحوارات الجانبية لأي جاذبية أو ذكاء لفظي، انعدام الـ«أفيهات» الطبيعية أو اللحظات الإنسانية المؤثرة.
الجمهور، عن حق، يترحّم على لجان تحكيم ضمّت عمالقة مثل: كاظم الساهر، نانسي عجرم، شيرين عبد الوهاب، عاصي الحلاني، صابر الرباعي، أحلام، راغب علامة، إليسا، سميرة سعيد، محمد حماقي، هؤلاء لم يكونوا مجرد نجوم، بل مرجعيات فنية.
رهبة المسرح
في مواسمه الخمسة الأولى، التي صوّرت في بيروت، لم يكن «ذا فويس» مجرد فورمات ناجح، بل حالة ثقافية فنية ، كان البرنامج يملك رهبة المسرح، يصنع نجوماً حقيقيين، يمنح المتسابق شعورًا بأنه يقف أمام تاريخ غنائي، لا أمام لجنة عابرة، أما اليوم، وبعد انتقال التصوير إلى استوديوهات MBC في الرياض، ورغم الإمكانات الإنتاجية الضخمة، يبدو البرنامج معقّمًا، بلا حرارة، بلا روح، التقنيات تطوّرت، لكن الإحساس تراجع ،
النسخة الحالية من «ذا فويس» تعاني من: غياب الهيبة، لجان بلا ثِقل تاريخي، جمهور لم يعد يثق، فورمات استهلك حتى الملل.
التحدي الحقيقي ليس في تغيير أسماء المدربين، ولا في تحديث الديكور، بل في إعادة تعريف معنى البرنامج نفسه: هل هو مسابقة؟ أم مصنع نجوم؟ أم مجرد عرض موسمي للربح الإعلاني؟ إلى أن يجاب عن هذا السؤال بصدق، سيظل «ذا فويس» مجرد ظلّ باهت لبرنامج كان يومًا… أحلى صوت فعلًا
