بقلم محمد قناوي
لم يكن إعلان إدارة مهرجان الجونة السينمائي، خلال المؤتمر الصحفي للدورة التاسعة، عن الهوية البصرية الجديدة للمهرجان مجرد تغيير في شكل اللوجو أو أنواع الخطوط المستخدمة في كتابة اسمه وشعاره، وإنما بدا أقرب إلى إعلان بصري عن مرحلة جديدة يعيشها المهرجان منذ سنوات، وتتبلور ملامحها بشكل أكثر وضوحًا من دورة إلى أخرى.
فالهوية الجديدة، بما تحمله من تعديلات في تصميم الشعار والخطوط والعناصر البصرية المصاحبة، جاءت متسقة مع حالة التغيير التي طرأت على المهرجان، وما زالت تتواصل، سواء على مستوى برامجه أو توجهاته أو طبيعة الفعاليات التي يقدمها للجمهور وصناعة السينما.
من «الريد كاربت» إلى صناعة السينما
في بداياته، ارتبط اسم الجونة بصورة حفلي الافتتاح والختام، والنجوم على السجادة الحمراء، وفساتين النجمات وعدسات المصورين، وهي صورة أسهمت في صناعة حضوره الجماهيري والإعلامي، لكنها لم تعد تختصر المهرجان اليوم.
الجونة أصبح يحاول أن يقدم نفسه باعتباره منصة سينمائية متكاملة، لا تكتفي بعرض الأفلام أو الاحتفاء بالنجوم، وإنما تفتح مساحات للإنتاج والتطوير والتواصل بين صناع السينما، من خلال البرامج المهنية وفعاليات الصناعة ومبادرات دعم المشروعات، إلى جانب عروض الأفلام والندوات واللقاءات.
وهنا يصبح تغيير الهوية البصرية منطقيًا؛ فالمهرجان الذي تتسع وظيفته لا يمكن أن تظل صورته البصرية أسيرة المرحلة التي كان ينظر إليه خلالها باعتباره حدثًا اجتماعيًا وفنيًا يعتمد بدرجة كبيرة على «الريد كاربت».
الشكل الجديد انعكاس لمضمون يتغير
اللافت أن التغيير لم يتوقف عند اللوجو، وإنما امتد إلى أنواع الخطوط المستخدمة وطريقة تقديم الاسم والعناصر البصرية المرتبطة بالمهرجان، بما يمنحه مظهرًا أكثر حداثة، ويحاول أن يعبّر عن مهرجان يريد أن يرسخ لنفسه حضورًا يتجاوز المناسبة السنوية إلى هوية مؤسسية أكثر وضوحًا.
فالهوية البصرية لأي مهرجان سينمائي ليست مجرد مسألة جمالية، وإنما هي جزء من طريقة تقديمه لنفسه ولجمهوره ولصناعة السينما. وعندما تتغير وظيفة المهرجان، يصبح من الطبيعي أن تبحث إدارته عن لغة بصرية جديدة تستطيع التعبير عن هذا التحول.
ومن هنا يمكن قراءة الهوية الجديدة للجونة باعتبارها محاولة لمطابقة «الشكل» مع «المضمون»؛ فالمهرجان لم يعد يريد أن يختزل في صور النجوم على السجادة الحمراء، وإنما يسعى إلى أن تكون لديه صورة مرتبطة بالسينما نفسها، بصناعتها وأفلامها ومبدعيها ومشروعاتها.
هل تنجح الهوية الجديدة في تغيير الصورة القديمة؟
لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق باللوجو أو الخطوط وحدها، وإنما بمدى قدرة المهرجان على ترسيخ الصورة الجديدة لدى الجمهور والإعلام وصناع السينما.
فالهوية البصرية تستطيع أن تعلن عن التغيير، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنعه، الذي يمنحها معناها الحقيقي هو ما يحدث داخل المهرجان نفسه، وما يقدمه من برامج ومشروعات وأفلام وفعاليات، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين حضوره الجماهيري الذي ارتبط منذ البداية بالنجوم والسجادة الحمراء، وبين دوره المتزايد كمنصة لصناعة السينما.
لذلك تبدو الهوية الجديدة في الدورة التاسعة أكثر من مجرد «تجديد للوجو»؛ إنها محاولة لوضع صورة بصرية لمهرجان تغير بالفعل، أو على الأقل يحاول أن يثبت أنه تغير.
فالجونة اليوم ليس فقط مهرجانًا يبدأ بحفل افتتاح وتنتهي فعالياته بختام وسجادة حمراء، وإنما حدث سينمائي تتسع دوائره عامًا بعد آخر، وإذا كانت السجادة الحمراء صنعت جزءًا مهمًا من شهرته، فإن التحدي الآن هو أن تصبح السينما نفسها هي الصورة الأوسع والأكثر رسوخًا في ذاكرة المهرجان.
