لم يكن ختام الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري مجرد ليلة لإعلان الفائزين وتوزيع الجوائز، بل كان لحظة مناسبة لفتح كشف حساب تجربة أربع دورات قادها الفنان محمد رياض، والسؤال عما إذا كانت الشعارات التي رفعتها الإدارة تحولت بالفعل إلى تغيير في خريطة المسرح المصري، أم أنها ظلت في حدود الفعاليات الموسمية التي تنتهي بانتهاء المهرجان.
فالنتائج الفنية، رغم أهميتها، ليست وحدها المقياس الحقيقي لنجاح مهرجان يحمل صفة «القومي»، وإذا كان «متولي وشفيقة» قد حصد جائزة أفضل عرض، و«تصبحي على خير يا ماما» جائزة أفضل عرض ثانٍ، وتقاسم أمير اليماني وأحمد فؤاد جائزة أفضل إخراج، فإن الأهم من منصة التتويج هو السؤال الأوسع: لمن يصنع المسرح المصري اليوم؟ وماذا يترك المهرجان وراءه بعد إسدال الستار؟
كسر المركزية.. خطوة مهمة ولكن
أبرز ما يلفت في تجربة محمد رياض محاولة كسر مركزية القاهرة، من خلال نقل جانب من فعاليات المهرجان إلى المحافظات، – مدينة المنصورة نموذجا- وهو توجه يستحق التقدير، خصوصًا أن مهرجانًا يحمل اسم «القومي» لا يمكن أن تظل عاصمته الجغرافية والثقافية الوحيدة هي القاهرة، لكن كسر المركزية لا يتحقق بمجرد نقل العروض والورش إلى مدينة أخرى. فالمركزية أعمق من المكان، وترتبط بتوزيع فرص الإنتاج، واكتشاف المواهب، واستمرار النشاط، وإتاحة الموارد، وبناء جمهور مسرحي خارج العاصمة.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لهذه التجربة لن يكون في عدد المحافظات التي استقبلت فعاليات المهرجان، وإنما في ما إذا كانت هذه المحافظات ستتحول من مجرد محطات مؤقتة إلى مراكز إنتاج مسرحي مستمرة.
الشعار أمام اختبار الاستدامة
الشعار الذي رفعته الدورة، «المسرح حق لكل مواطن»، يحمل قيمة ثقافية لا خلاف عليها، لكن تحويله إلى سياسة عامة يحتاج إلى ما هو أبعد من مهرجان سنوي، فالمواطن لا يحتاج إلى المسرح خلال أيام المهرجان فقط، وإنما يحتاج إلى مسرح يعمل طوال العام، وعروض تصل إليه بانتظام، وفرق تجد فرصًا للإنتاج، ومساحات تستوعب المواهب الجديدة، لذلك، فإن نجاح الشعار لا يقاس بعدد العروض التي قدمت خارج القاهرة، بل بما إذا كان المهرجان قد أسهم في خلق حركة مسرحية قادرة على الاستمرار بعد انتهائه.
الجوائز تكشف ثراءً.. لكنها تطرح أسئلة
قائمة الجوائز تكشف تنوعًا واضحًا في الأسماء والتجارب، وهو مؤشر إيجابي، كما أن تصدر «متولي وشفيقة» المشهد، إلى جانب حصول عروض أخرى على جوائز في الإخراج والتمثيل والعناصر الفنية، يعكس منافسة متعددة الاتجاهات.
لكن كثرة المناصفات في عدد من الجوائز تستحق التوقف نقديًا، فحين تتكرر المناصفة في فئات التمثيل والإخراج والتصميم وغيرها، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى وضوح الفوارق الفنية بين التجارب، وعن قدرة الجوائز على رسم خريطة واضحة للاتجاهات الجمالية والفكرية الأكثر حضورًا في المسرح المصري الراهن.
المشكلة هنا ليست في منح أكثر من فنان حقه، وإنما في أن الجائزة يفترض أن تكون أيضًا موقفًا نقديًا، وأن تقول بوضوح، هذا هو الاتجاه الأكثر تميزًا، وهذه هي التجربة التي تستحق أن تصبح علامة في مسار المسرح المصري.
الشباب.. الاكتشاف ليس تمكينًا
من أهم مكاسب التجربة حضور الأجيال الجديدة في العروض والورش ومسابقات المهرجان. لكن اكتشاف الموهبة لا يعني بالضرورة تمكينها، والسؤال الأصعب يبدأ بعد انتهاء المهرجان، ماذا سيحدث للفائزين؟ هل يحصلون على فرص إنتاج جديدة؟ هل تتحول الورش إلى مسارات مهنية؟ وهل تجد العروض المتميزة طريقها إلى جمهور أوسع، أم تنتهي رحلتها مع حفل توزيع الجوائز؟، هنا تحديدًا يمكن قياس القيمة الحقيقية لأي مهرجان؛ ليس بعدد الذين شاركوا فيه، وإنما بعدد الذين استطاعوا مواصلة الطريق بعده.
محمد رياض.. ماذا سيبقى من التجربة؟
بانتهاء الدورة التاسعة عشرة، تنتهي أربع دورات من إدارة محمد رياض، لكن تقييم التجربة لن يتوقف عند قائمة الجوائز أو حجم البرنامج. القيمة الحقيقية ستتحدد بما إذا كانت بعض أفكار هذه السنوات ستتحول إلى تقاليد مؤسسية لا ترتبط باسم رئيس المهرجان أو فترة إدارته.
هل يستمر التوسع الجغرافي؟ والي أي مدي تصبح المحافظات شريكًا حقيقيًا في صناعة المهرجان لا مجرد مساحة لاستقبال فعالياته؟ هل يستمر دعم الشباب بعد لحظة التكريم؟ وهل يمكن تحويل «المسرح حق لكل مواطن» من شعار إلى مشروع ثقافي ممتد طوال العام؟، هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يبدأ بها كشف حساب الدورة التاسعة عشرة.
فالمهرجان القومي لا يقاس فقط بما يحدث على خشبة المسرح أثناء انعقاده، وإنما بما يتركه خلف الستار، وإذا نجحت تجربة محمد رياض في نقل المهرجان خطوة خارج المركز، فإن التحدي المقبل هو أن يتحول هذا الخروج من مبادرة مرتبطة بدورات محددة إلى سياسة ثقافية مستدامة، عندها فقط يمكن القول إن المهرجان لم يكن مجرد موسم للعروض والجوائز، وإنما ساهم بالفعل في إعادة رسم خريطة المسرح المصري.
