ميادة الحناوي في قرطاج.. الطرب ينتصر على الزمن بعد 21 عامًا من الغياب

تغطية: يسر العوني – تونس

بعد 21 عامًا من آخر إطلالة لها على مسرح قرطاج، عادت مطربة الجيل ميادة الحناوي إلى المكان نفسه، لكن عودتها هذه المرة لم تكن مجرد استعادة لموعد فني قديم، بقدر ما بدت استدعاءً لذاكرة غنائية كاملة، واختبارًا حقيقيًا لقدرة الأغنية الطربية على العيش في زمن تغيّرت فيه أدوات الاستماع، وتبدلت فيه معايير النجومية، وتسارعت فيه إيقاعات الأغنية.

في الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، بدا المسرح الروماني وكأنه يستعيد واحدة من الأصوات التي صنعت جانبًا أساسيًا من ذاكرة الأغنية العربية، ومع صعود ميادة إلى المسرح، لم يكن الجمهور أمام مطربة تعود بعد غياب طويل فحسب، وإنما أمام زمن غنائي كامل عاد للحظة إلى الحاضر.

هل لا يزال الجمهور يصغي إلى الطرب؟

كانت عودة ميادة إلى قرطاج تحمل سؤالًا يتجاوز الحفل نفسه: هل لا يزال الجمهور قادرًا على الإصغاء إلى أغنيات طويلة، وإلى صوت ينتمي إلى مدرسة الطرب، وإلى ألحان تحتاج إلى مساحة زمنية حتى تكشف عن تفاصيلها وعمقها؟

الإجابة جاءت واضحة منذ اللحظات الأولى ، فما إن بدأت ميادة وصلتها الغنائية حتى بدا أن السنوات التي فصلتها عن جمهور قرطاج لم تستطع أن تفصل الجمهور عنها، الأغنيات التي ولدت في زمن مختلف وجدت طريقها مجددًا إلى المدرجات، وكأن السنوات الـ21 لم تكن سوى استراحة طويلة بين حفلتين.

وافتتحت ميادة وصلتها بأغنية «أنا مخلصالك»، قبل أن تتوالى الأعمال التي ارتبط بها وجدان الجمهور، ومنها «حبينا وتحبينا» و«مهما يحاولوا يطفوا الشمس» و«فاتت سنة»، وصولًا إلى روائع الموسيقار الراحل بليغ حمدي، التي أصبحت جزءًا أصيلًا من هويتها الفنية، وفي مقدمتها «الحب اللي كان» و«أنا بعشقك».

لم يكن الجمهور يكتفي بالاستماع، بل كان يغني ويتفاعل ويردد الكلمات مع صاحبة الصوت، في مشهد أكد أن الأغنية الطربية لم تفقد قدرتها على الوصول، حتى في عصر أصبحت فيه الأغنية أكثر اختصارًا، وأسرع انتشارًا، وأكثر ارتباطًا بمنصات رقمية تفرض إيقاعًا مختلفًا على صناعة الموسيقى.

ميادة: الفن الحقيقي لا يموت

وعبّرت ميادة الحناوي عن سعادتها وفخرها بالعودة إلى مهرجان قرطاج بعد هذا الغياب الطويل، مؤكدة في تصريحات للإذاعة الوطنية التونسية حبها للجمهور التونسي، الذي وصفته بأنه جمهور «ياخد العقل».

ورأت أن الإقبال الجماهيري الكبير والتفاعل مع أغنياتها القديمة يمثلان دليلًا على استمرار مكانة الموسيقى الطربية الأصيلة، مؤكدة أن الفن الحقيقي والراسخ لا يموت مهما تغيرت الأزمنة والموجات الموسيقية.

واستدلت على ذلك باستمرار حضور أعمال كبار المطربين في وجدان الأجيال الجديدة، مشيرة إلى أن الأطفال والشباب ما زالوا يرددون أغنيات أسماء كبيرة مثل أم كلثوم ووردة الجزائرية.

ومنذ آخر حفل لميادة في قرطاج عام 2005، تغير المشهد الموسيقي العربي بصورة جذرية؛ تبدلت منصات الاستماع، وتسارعت صناعة النجومية، واختصرت الأغاني، وانتقل جزء كبير من الجمهور من الإصغاء إلى الأغنية الطربية إلى استهلاك الأغنيات الأسرع والأخف.

لكن ميادة بقيت وفية للأصل الذي صنعت من خلاله تجربتها: الأغنية التي تمنح المستمع وقتًا كي يصغي، ويتأمل، وينفعل.

ميادة وبليغ.. عندما يصبح اللحن جزءًا من هوية الصوت

يصعب الحديث عن تجربة ميادة الحناوي من دون استحضار الموسيقار الكبير بليغ حمدي. فالعلاقة بين صوتها وألحانه لم تكن مجرد تعاون بين مطربة وملحن، وإنما كانت واحدة من العلاقات الفنية المؤثرة في مسيرة الأغنية العربية الحديثة، مع بليغ، وجدت ميادة المساحة التي سمحت لصوتها بالتحرك بين القوة واللين، وبين الانفعال والسيطرة، وتحويل الجملة اللحنية إلى حالة درامية متكاملة، ولهذا بدت «أنا بعشقك» في قرطاج أكثر من مجرد أغنية شهيرة؛ كانت استعادة لمرحلة كان فيها الملحن شريكًا حقيقيًا في صناعة شخصية المطرب، وكانت الكلمة واللحن والتوزيع والأداء تتحرك داخل مشروع فني واحد، وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربة ميادة؛ فهي لا تستعيد أغنياتها القديمة لمجرد الحنين، وإنما تستعيد معها نموذجًا كاملًا لصناعة الأغنية، حين كان نجاح العمل نتيجة تفاعل شاعر وملحن ومطرب وموسيقيين وجمهور يعرف كيف يمنح الأغنية وقتها.

الجمهور لم يستمع إلى الماضي.. بل استعاد جزءًا منه

خلال الحفل، أيقظت أغنيات ميادة ذاكرة جمهور قرطاج، لكن هذه الذاكرة لم تكن مجرد حنين إلى زمن انتهى، الجمهور لم يتعامل مع الأغنيات باعتبارها آثارًا موسيقية تنتمي إلى الماضي، بل استعادها باعتبارها جزءًا من حاضره. ردد الحاضرون الكلمات مع ميادة، في لحظات بدا فيها أن الذاكرة الجماعية أقوى من المسافة الزمنية.

ولعل هذا هو سر بعض الأغنيات العظيمة: أنها لا تبقى أسيرة زمنها. تنتقل من جيل إلى آخر، وتكبر مع أصحابها، ثم تجد أجيالًا جديدة تتبناها رغم أنها لم تعش اللحظة التي ولدت فيها.

الأغنية الحقيقية لا تحتاج إلى زمن مناسب كي تعيش؛ يكفي أن تجد أذنًا مستعدة للإصغاء.

وحتى حين تغني ميادة أغنياتها التي عرفها الجمهور قبل عقود، فإنها لا تعيد إنتاج الماضي حرفيًا. فالزمن يمر على الصوت كما يمر على الذاكرة، ويترك أثره في طريقة الأداء وفي معنى الكلمات. لذلك تبدو الأغنية نفسها مختلفة قليلًا عندما تسمع اليوم، لأن المستمع نفسه أصبح شخصًا آخر.

من صباح فخري إلى ميادة.. قرطاج يستعيد الذاكرة السورية

لم تكن ميادة الحناوي وحدها في استعادة الذاكرة السورية والعربية خلال هذه السهرة، إذ افتتح الفنان محمد خيري الحفل بوصلة من القدود الحلبية، مستحضرًا تراثًا غنائيًا سوريًا عريقًا، وموجهًا تحية إلى أستاذه الراحل صباح فخري.

ورافقت الفرقة الوطنية الموسيقية الفنانين بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، لتتحول السهرة إلى حوار بين أكثر من ذاكرة: ذاكرة الأغنية السورية، وذاكرة الطرب العربي، وذاكرة قرطاج نفسه، فالمهرجان، الذي يحتفل هذا العام بدورته الستين، يعرف جيدًا معنى أن يعيد إلى مسرحه أسماء ارتبطت بتاريخه وذاكرته، وكانت عودة ميادة واحدة من أبرز لحظات هذه الدورة الاحتفالية، خصوصًا أنها جاءت بعد أكثر من عقدين من الغياب.

قرطاج.. حين ينتصر الطرب على الزمن

في النهاية، لم تكن سهرة ميادة الحناوي استعادة لزمن تاريخي محدد بقدر ما كانت استعادة لمفهوم جمالي؛ ذلك الزمن الذي كانت فيه الأغنية تحتاج إلى شاعر وملحن ومطرب وموسيقيين، وإلى جمهور يمنحها الوقت كي تنمو وتتألق، وفي زمن السرعة، تبدو هذه التجربة أكثر إلحاحًا لا أقل.

حين صعدت ميادة الحناوي إلى مسرح قرطاج، لم تكن تنافس الأصوات الجديدة، ولم تحاول استعادة زمن انتهى. لقد فعلت شيئًا أكثر أهمية: وضعت أمام الجمهور نموذجًا فنيًا مختلفًا وراقيًا، وتركت له حرية المقارنة.

من هنا اكتسبت السهرة معناها الحقيقي.

لم يكن السؤال: هل تستطيع ميادة الحناوي العودة إلى قرطاج بعد 21 عامًا؟ بل كان السؤال الأهم: هل يستطيع قرطاج أن يستعيد، ولو لساعات، ذلك النوع من الإصغاء الذي صنعت من أجله أغنياتها؟ وجاءت الإجابة من المدرجات،  جمهور غنى مع ميادة، واستعاد الكلمات والألحان، وأثبت أن الذاكرة الموسيقية العربية لم تنته، وأن الأغنية التي صنعت معناها بصدق تستطيع أن تعبر الزمن، وتنتقل من جيل إلى آخر، وتظل حاضرة كلما وجدت صوتًا قادرًا على إيقاظها من جديد، في قرطاج، بعد 21 عامًا، لم تعد ميادة الحناوي إلى الماضي، الماضي هو الذي عاد معها إلى الحاضر.