مهرجان كان السينائي 2026: «الأمل»… نقلة نوعية في صناعة أفلام المغامرات

كان – عبدالستار ناجي

منذ المشهد الأول وحتى اللقطة الأخيرة، يضع الفيلم الكوري «الأمل» للمخرج نا هونغ جين المشاهد في حالة متواصلة من اللهاث خلف الأحداث والشخصيات، داخل قرية كورية صغيرة تنقلب حياتها رأسًا على عقب بفعل وقائع غامضة ومدمرة.

وبعد مرور نحو ساعة من زمن الفيلم، الذي يمكن وصفه بأنه مزيج بين الأكشن والإثارة والرعب النفسي، يبدأ المخلوق الغامض في نشر الفوضى داخل بلدة تعدين ريفية في كوريا الجنوبية. وقبل ذلك، يغرق العمل الشاشة في دوامة من الخراب والتوتر.

يتلقى قائد الشرطة بوم سيوك (هوانغ جونغ مين) اتصالًا من ابن عمه الصياد سونغ كي (زو إن سونغ)، يخبره فيه عن ثور مشوّه ملقى في منتصف الطريق، تغطيه الذباب وتحمل جروحه آثارًا دامية، دون أي تفسير واضح لما حدث له، وعندما يعود بوم سيوك إلى البلدة للتحقيق، يكتشف جثثًا مقطوعة الرؤوس متناثرة في الشوارع الضيقة، بينما تبدو المباني وكأنها تعرضت لاجتياح عنيف وغامض.

حرفة سينمائية عالية الجودة

يمضي الفيلم بإيقاع متسارع ومحكم الصنع، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول بعض تفاصيله، فإنه يمثل نموذجًا لحرفة سينمائية عالية الجودة، ربما نفتقدها حتى في عدد من أبرز أفلام الحركة الهوليوودية.

ويعتمد نا هونغ جين على بناء حالة مستمرة من الغموض، تدفع المشاهد للتساؤل حول الجهة التي تقف وراء هذا الدمار الهائل الذي أصاب القرية وسكانها، دون أن يمنح إجابات مباشرة أو سهلة.

نا هونغ جين .. صانع المغامرات المختلفة

تأتي تجربة نا هونغ جين الجديدة بعد نجاحه اللافت في فيلم «العويل» عام 2016، وقبله «البحر الأصفر» عام 2010 و«المطارد» عام 2008، ليؤكد مكانته كأحد أبرز صناع أفلام المغامرات والإثارة في السينما الكورية المعاصرة.

ويواصل المخرج هنا خروجه المتعمد عن البنية التقليدية لأفلام الرعب والخيال العلمي، مقدمًا معالجة أكثر غموضًا وجرأة. فالفيلم يمتلك ذكاءً بصريًا وسرديًا يبقي المشاهد في حالة ترقب دائم، حتى عندما يظن أنه بات قادرًا على فهم اتجاه الأحداث.

هذه المغامرة الدموية المليئة بالإثارة تستثمر بذكاء في خلق القلق والتوتر، إذ تبدأ بأجواء تستدعي أفلام الغرب الأمريكي الكلاسيكية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى فيلم رعب عن مخلوقات قادمة من الفضاء الخارجي، في تجربة تبدو جديدة ومختلفة ضمن هذا النوع السينمائي.

خطان سرديان يزيدان من عمق الحكاية

ينقسم الفيلم إلى خطين سرديين رئيسيين؛ الأول يتابع بوم سيوك أثناء مطاردته الوحش الذي يعيث فسادًا في بلدته، بينما يدور الثاني حول ابن عمه الصياد ومجموعة من أصدقائه الذين يغامرون بدخول الغابة بحثًا عن إجابات.

ومع تقدم الأحداث، يركز الفيلم بصورة أكبر على شخصية بوم سيوك، الذي يبدو دائمًا متأخرًا بخطوات عن الكائن الغامض. فهو يسمع دوي الانفجارات وإطلاق النار وصراخ الضحايا، لكنه لا يتمكن من اللحاق بالمخلوق في الوقت المناسب.

وتلعب لقطات التتبع دورًا أساسيًا في تكثيف هذا الشعور، خصوصًا مع براعة مدير التصوير هونغ كيونغ بيو، الذي يقدم مشاهد بالغة السلاسة والدقة، تجعل المشاهد يعيش حالة المطاردة بكل توترها وارتباكها. وعندما يظهر الوحش أخيرًا على الشاشة، يتحول الكشف عنه إلى واحدة من أكثر لحظات الفيلم إثارة وتأثيرًا.

أسئلة مفتوحة وتأويلات متعددة

الفيلم لا يسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، بل يترك أبواب التأويل مفتوحة أمام المشاهد. فهل تعمد نا هونغ جين تقديم هذا العمل بهذه الطريقة الساخرة والمراوغة؟ وهل يحتفي بأفلام الخيال العلمي أم يسخر من نماذجها التقليدية؟

في كل منعطف، يقلب المخرج قواعده الخاصة رأسًا على عقب، دون أن يمنح الجمهور فرصة كاملة لفهم نواياه، وهو ما يمنح الفيلم طابعًا جريئًا ومثيرًا للتفكير.

كما ينجح العمل في الموازنة بين لحظات من البراعة السينمائية المدهشة، وبين تقديم شخصيات تبدو أحيانًا كأنها انعكاس ساخر لأبطال أفلام الحركة التقليدية، بينما تكمن القصة الحقيقية في طبقات أعمق وأكثر إثارة للاهتمام.

خلاصة التجربة

في النهاية، يقدم الفيلم الكوري «الأمل» وصفة جديدة ومتطورة لأفلام المغامرات والرعب والخيال العلمي، في عمل يمتلك القدرة على إدهاش جمهور السينما وصناعها على حد سواء، ويؤكد أن السينما الكورية ما زالت قادرة على إعادة ابتكار هذا النوع من الأفلام برؤية مختلفة ومتفردة.