كان – عبدالستار ناجي
يواصل المخرج الإيراني أصغر فرهادي رحلته السينمائية العابرة للحدود والثقافات، متنقّلًا بين عواصم العالم ومناخه الإبداعي المتعدد، منذ أن غادر فضاءه الإيراني المحلي إلى أفق سينمائي عالمي أكثر اتساعًا.
وفي فيلمه الجديد «حكايات متوازية»، المشارك ضمن المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي، يقدّم فرهادي تجربة فرنسية خالصة من حيث اللغة والمكان والشخصيات، لكنها مشبعة في العمق بأسئلته الإنسانية المعتادة حول العزلة والهوية والرقابة والتلصص وتشظي العلاقات.
من «انفصال» إلى «حكايات متوازية»
منذ بداياته مع «الرقص في الغبار» (2002)، مرورًا بـ«مدينة جميلة» (2004)، و«ألعاب نارية يوم الأربعاء» (2006)، و«عن إيلي» (2009)، وصولًا إلى تحفته الأشهر انفصال، ثم «الماضي» (2013)، والبائع، و«الكل يعلم» (2018)، ظل فرهادي منشغلًا بتفكيك العلاقات الإنسانية عبر دراما تقوم على الأسرار والمراوغات النفسية والتناقضات الأخلاقية.
لكن «حكايات متوازية» يبدو وكأنه محاولة واعية للخروج من تلك المنهجية التي صنعت مجده العالمي، والاقتراب من تأمل أكثر تجريدًا وغموضًا حول العلاقة بين الواقع والخيال، وبين الكاتب وشخصياته، وبين من يراقب ومن يُراقَب.
إيزابيل أوبير.. روائية تعيش على أنقاض الماضي
يقود الفيلم أداء إيزابيل أوبير في دور “سيلفي”، الروائية الفرنسية التي تجاوزت زمن مجدها الأدبي. تعيش في شقة باريسية قديمة بدأت ملامحها بالتآكل، فيما تحاصرها رائحة الماضي والعزلة والفئران، وكأن فرهادي يتعمد تحويل المكان إلى استعارة لثقافة فقدت حيويتها.
حين تبدأ سيلفي الكتابة، تشعل سيجارتها، ترتدي نظارتها القديمة، وتجلس أمام آلة كاتبة من نوع “أوليفيتي”، في مشهد محمّل بإشارات واضحة إلى جيل أدبي انتهى حضوره ولم يعد قادرًا على إنتاج المعنى نفسه، حتى طريقة نقرها البطيء على الآلة تبدو بعيدة عن إيقاع كاتب محترف، وهو تفصيل صغير لكنه كاشف، لأن فرهادي المعروف بدقته الواقعية يتعمد هنا الاقتراب من الكليشيه والسخرية الرمزية.
تبدو شخصية سيلفي أقرب إلى صورة نمطية لكاتبة فرنسية كلاسيكية مستهلكة، أكثر منها شخصية حقيقية نابضة بالحياة، وكأن المخرج يوجه نقدًا مباشرًا للمشهد الثقافي الفرنسي ولأزمته الراهنة.

التلصص بوصفه محركًا دراميًا
تبدأ اللعبة السردية حين تراقب سيلفي، عبر تلسكوب صغير، الشقة المقابلة لها. لكن ما تراه ليس ما يتوقعه المشاهد. فالمكان عبارة عن استوديو لتسجيل المؤثرات الصوتية، يعمل فيه ثلاثة أشخاص تجمعهم أيضًا شبكة من العلاقات العاطفية المعقدة.
تؤدي فيرجيني إيفيرا دور “آنا”، المرأة المرتبطة بعلاقة مع مدير الإنتاج الأكبر سنًا، الذي يجسده فينسنت كاسيل، بينما تخوض في الوقت ذاته علاقة سرية مع زميلها الأصغر سنًا، الذي يؤديه بيير نيني.
ومن خلال تلك الشخصيات، تبدأ سيلفي في نسج عالم روايتها الجديدة، حيث تختلط التخيلات بالوقائع، ويتحول التلصص إلى أداة لصناعة الحكاية وإعادة تشكيل الواقع.
آدم بيس وخط الحكاية الثاني
ضمن الخطوط المتوازية الأخرى، تظهر ابنة أختها “سيلين”، التي تعرّف خالتها على شاب مشرّد يدعى “آدم”، يؤديه الفنان التونسي آدم بيس، والذي سبق أن لفت الانتباه في فيلم «حرقة».
يقوم آدم بتنظيف الشقة، ثم يعثر على مخطوطة سيلفي المهملة، فيدّعي أنها تخصه، قبل أن يسلمها إلى امرأة أخرى تؤدي دورها أيضًا فيرجيني إيفيرا ولكن بشخصية مختلفة، في لعبة مزدوجة بين الحقيقة والوهم، وبين النسخة الأصلية والنسخة المتخيلة.
هنا ينتقل الفيلم تدريجيًا إلى مستويات أكثر التواءً، حيث تتداخل الحكايات وتتشابك، لكن دون أن ينجح دائمًا في الحفاظ على التماسك الدرامي.
فيلم مرتبك.. لكنه مقصود الإرباك
المفارقة أن «حكايات متوازية» لا يبدو معقدًا بقدر ما يبدو مرتبكًا. ففرهادي لا يلعب هذه المرة على عنصر الخداع التقليدي الذي ميّز أفلامه السابقة، بل يختار أن يربك المشاهد عبر بنية سردية متعرجة، تجعل الحكايات تتجاور أكثر مما تتفاعل.
وتبدو الشخصيات أحيانًا فاقدة للحيوية خارج لعبة الانتقال بين الواقع والخيال، كما أن بعض الحضور التمثيلي، بما في ذلك إيزابيل أوبير وفينسنت كاسيل، يأتي أقرب إلى إعادة إنتاج لأنماط أداء مألوفة. حتى ظهور كاترين دونوف يبدو عابرًا ومقحمًا على السياق الدرامي.
كما يعاني الفيلم من بطء واضح، ومشاهد لا تضيف تطورًا حقيقيًا للبناء الدرامي، وهو ما يجعل الإيقاع متراخيًا في أكثر من محطة.

فرهادي يهاجم الثقافة الفرنسية
ورغم كل ذلك، يظل الفيلم مثيرًا للاهتمام بوصفه محاولة مختلفة داخل مسيرة فرهادي، فهو لا يكتفي بمساءلة العلاقة بين الحقيقة والخيال، بل يوجه أيضًا نقدًا مباشرًا للحالة الثقافية الفرنسية، ولجيل من الكتّاب والمثقفين الذين يعيشون على أمجاد الماضي دون القدرة على تجديد أدواتهم أو رؤيتهم.
كما يشتغل الفيلم بوضوح على مفهوم “التلصص” باعتباره فعلًا إنسانيًا وسينمائيًا في آن واحد، حيث تتحول المراقبة إلى وسيلة لصناعة الحكاية وإعادة اختراع الواقع.
«حكايات متوازية» ليس من بين أفضل أفلام أصغر فرهادي، ولا يمتلك قوة أفلامه الكبرى مثل «انفصال» أو «البائع»، لكنه يظل عملًا يحمل قدرًا كبيرًا من الاحترافية والجرأة في كسر أسلوبه المعتاد.
إنه فيلم يحاول أن يغادر منطقة الخداع النفسي التقليدي التي اشتهر بها فرهادي، باتجاه سينما أكثر تجريدًا وتأملًا، حتى وإن جاءت النتيجة مضطربة وغير متماسكة بالكامل. لكنه، في النهاية، يظل شاهدًا على مخرج لا يخشى المغامرة، حتى وهو يبتعد عن أكثر مناطق نجاحه رسوخًا.
