يشهد موسم عيد الأضحى السينمائي لعام 2026 حالة من الزخم الاستثنائي، مع عودة عدد من النجوم الكبار إلى شاشة السينما، وتنوّع واضح في طبيعة الأعمال المطروحة بين الأكشن التاريخي، والكوميديا الاجتماعية، والدراما النفسية، والإنتاجات الضخمة ذات الطابع العالمي. ويبدو أن الموسم الحالي لا يعتمد فقط على جماهيرية النجوم، بل على رهانات فنية وإنتاجية مختلفة، تعكس محاولة الصناعة استعادة بريقها الجماهيري والإقليمي.
موسم مبكر.. وخريطة عرض مختلفة
اللافت هذا العام أن المنافسة تبدأ مبكراً، قبل العيد بأسبوعين تقريباً، مع طرح فيلمين يوم 14 مايو، في خطوة تهدف إلى منح الأعمال مساحة أطول لتحقيق الإيرادات بعيداً عن ضغط أيام العيد المحدودة.
بينما تدخل الأفلام ذات الطابع الجماهيري الأضخم المنافسة مع أول أيام العيد في 27 مايو، بما يعكس استراتيجية توزيع تراهن على تقسيم الجمهور وفق طبيعة كل فيلم.
هذا التنوع يخلق موسماً متوازناً نسبياً؛ فهناك أفلام تعتمد على النجم الفرد، وأخرى تعتمد على البطولة الجماعية، إلى جانب حضور واضح للأعمال المقتبسة من الروايات، والإنتاجات العابرة للحدود العربية.
«أسد».. محمد رمضان يغامر بالتاريخ والدراما
يدخل محمد رمضان المنافسة مبكراً عبر فيلم «أسد»، في خطوة تبدو مهمة في مسيرته السينمائية، خصوصاً بعد غياب استمر منذ فيلم”ع الزيرو”، ويحسب للفيلم أنه يبتعد نسبياً عن القالب التجاري المعتاد المرتبط برمضان، ويتجه نحو معالجة تاريخية ذات بعد إنساني ونفسي.
الفيلم، الذي يخرجه محمد دياب، يحمل طابعاً بصرياً مختلفاً، خاصة مع وقوع أحداثه في القرن التاسع عشر، وهو ما يمنحه فرصة لتقديم تجربة إنتاجية أكثر ثراءً على مستوى الصورة والديكور والأزياء. كما أن فكرة العبد الذي يتمرد على واقعه الاجتماعي بدافع الحب والانتقام تمنح العمل بعداً درامياً يتجاوز الأكشن التقليدي.
الرهان الحقيقي هنا ليس فقط على جماهيرية محمد رمضان، بل على قدرته في إعادة تقديم نفسه كممثل داخل مشروع سينمائي يحمل طموحاً فنياً أكبر، خاصة مع وجود أسماء مثل ماجد الكدواني وأحمد داش وكامل الباشا، وهي اختيارات تمنح الفيلم ثقلاً تمثيلياً واضحاً.

«الكلام على إيه – أول ليلة».. الكوميديا بوصفها مرآة اجتماعية
في المقابل، يطرح فيلم «الكلام على إيه – أول ليلة» نفسه كرهان على الكوميديا الاجتماعية الخفيفة، عبر مجموعة من الحكايات المتقاطعة التي تدور خلال ليلة زفاف أربع ثنائيات مختلفة.
الفيلم يعتمد على البطولة الجماعية أكثر من اعتماده على نجم أوحد، وهي صيغة أصبحت تحقق حضوراً متزايداً في السوق المصري خلال السنوات الأخيرة. ويضم العمل أسماء مثل أحمد حاتم، آية سماحة، مصطفى غريب، رحمة أحمد.
ورغم الطابع الكوميدي، فإن الفيلم يبدو معنياً بتقديم قراءة لعلاقات الجيل الجديد، وكيف تتحول الأحلام الرومانسية إلى اختبارات حقيقية بمجرد الاحتكاك بالواقع. وهو ما قد يمنحه مساحة جماهيرية جيدة لدى الشباب والعائلات.

«Dogs 7» .. محاولة لصناعة فيلم عربي عالمي
أما الحدث الأبرز في الموسم، فيبدو أنه فيلم«Dogs 7» ، الذي يجمع كريم عبد العزيز وأحمد عز في عمل يوصف بأنه الأضخم إنتاجياً في تاريخ السينما العربية.
الفيلم لا يراهن فقط على الشعبية الكبيرة للنجمين، بل على تقديم تجربة أكشن ذات مواصفات عالمية، من خلال مشاركة نجوم دوليين مثل جيانكارلو إسبوزيتو ومونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت.
كما أن إسناد الإخراج للثنائي المرتبط بأعمال الأكشن الأمريكية يمنح الفيلم طابعاً بصرياً مختلفاً، في محاولة واضحة لصناعة منتج عربي قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً.
لكن التحدي الأكبر أمام الفيلم يتمثل في قدرته على تحقيق توازن بين الإبهار البصري والعمق الدرامي؛ إذ إن كثيراً من الإنتاجات الضخمة تقع أحياناً في فخ الاستعراض التقني على حساب البناء الدرامي. ومع ذلك، فإن حالة الترقب الكبيرة المحيطة بالفيلم قد تجعله المرشح الأقوى لصدارة الإيرادات.

«إذما» .. السينما الرومانسية تعود عبر الأدب
وسط هذا الزحام الجماهيري، يأتي فيلم إذما كأكثر الأعمال هدوءاً وتأملاً، معتمداً على رواية محمد صادق الشهيرة.
الفيلم، بطولة أحمد داود وسلمى أبو ضيف، يطرح رحلة نفسية وإنسانية تتقاطع مع الحنين والذاكرة والبحث عن الذات، وهي موضوعات لطالما ارتبطت بأعمال محمد صادق الأدبية.
وتكشف قصة “إذما” عن توجه واضح نحو السينما النفسية الرومانسية، التي تعتمد على المشاعر والتفاصيل الإنسانية أكثر من اعتمادها على الإيقاع السريع أو الأكشن، ما قد يجعله الحصان الهادئ في الموسم، خصوصاً لدى جمهور الروايات والشباب الباحثين عن أعمال أكثر حساسية وعمقاً.
موسم يعكس تحولات السوق السينمائي
في المجمل، يبدو موسم عيد الأضحى 2026 مؤشراً على تحولات مهمة داخل السينما المصرية والعربية؛ فهناك محاولة للجمع بين السينما التجارية الضخمة، والأعمال ذات الطابع الفني، مع توسع واضح في الإنتاجات المشتركة والاستعانة بعناصر عالمية.
كما يعكس الموسم إدراكاً متزايداً بأن الجمهور لم يعد يبحث فقط عن “النجم”، بل عن التجربة الكاملة؛ من الفكرة والمعالجة، إلى الصورة والإيقاع ومستوى الإنتاج. وبين رهانات الأكشن الضخم، والكوميديا الاجتماعية، والدراما النفسية، يبقى شباك التذاكر وحده القادر على حسم المعركة، لكن المؤكد أن الموسم الحالي يحمل واحدة من أكثر الخرائط السينمائية تنوعاً خلال السنوات الأخيرة.

