بقلم : محمد قناوي
تعكس نتائج مهرجان جمعية الفيلم السنوي للسينما المصرية هذا العام حالة من التوازن اللافت بين اختيارات الجمهور وتوجهات لجنة التحكيم برئاسة محمد ياسين وضمت في عضويتها كلاً من : الناقد الأمير أباظة، الكاتبة والناقدة د. آمال عثمان، مدير التصوير سامح سليم، المخرج عادل الأعصر، مهندس الديكور د. محمود محسن، والسيناريست ناصر عبد الرحمن.
ففوز «ضى.. سيرة أهل الضي» بجائزة أفضل فيلم بتصويت الأعضاء والجمهور، مقابل منح لجنة التحكيم الجائزة نفسها لفيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، يكشف عن انقسام صحي يعكس تنوع الذائقة السينمائية بين الحس الجماهيري والرؤية الفنية الأكثر تخصصًا.
«سيرة أهل الضي».. انتصار الحِرفية الشاملة
هيمنة فيلم كريم الشناوي «سيرة أهل الضي» على الجوائز الفنية تشير إلى تفوق واضح على مستوى العناصر التقنية، من التصوير إلى الصوت وصولًا إلى الأفيش، هذا النوع من التتويج غالبًا ما يعكس فيلمًا متكاملًا من حيث الصناعة، نجح في مخاطبة الجمهور بصريًا ووجدانيًا، وهو ما يفسر أيضًا فوزه بالجائزة الكبرى جماهيريًا.
كما أن تتويج عناصر مثل عبد السلام موسى ومحمد صلاح يعزز فكرة أن الفيلم اعتمد على جودة تنفيذية عالية، وليس فقط على السرد الدرامي.

«رامبو».. سينما المؤلف تفرض نفسها
في المقابل، يعكس تتويج فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور حضورًا قويًا لما يمكن تسميته بـ”سينما المؤلف”، حيث حصد الفيلم جوائز الإخراج والسيناريو والقصة، وهي جوائز ترتبط مباشرة برؤية صانع العمل.
هذا التتويج المتعدد في فئات الكتابة والإخراج يشير إلى مشروع سينمائي متماسك فكريًا، يضع المخرج في موقع السيطرة الكاملة على أدواته، وهو ما يعزز مكانة الفيلم نقديًا حتى لو لم يكن الأكثر جماهيرية.

جوائز التمثيل.. انحياز للأداءات الجديدة
تظهر نتائج التمثيل توجهًا واضحًا نحو دعم جيل جديد من الممثلين، مع تتويج آية سماحة وعصام عمر، إلى جانب تكريم أحمد مالك، هذا الاختيار يعكس رغبة المهرجان في ضخ دماء جديدة في المشهد السينمائي، والاحتفاء بأداءات تميل إلى الطبيعية والابتعاد عن النمطية.
حضور لافت للأعمال الأولى والتجارب المختلفة
منح عمر المهندس جائزة أفضل مخرج عمل أول، وتتويج نهى عادل بجائزة الابتكار، يؤكدان انفتاح المهرجان على التجارب الجديدة، خاصة تلك التي تراهن على كسر القوالب التقليدية وتقديم لغة سينمائية مختلفة.
كما أن تكرار اسم نهى عادل في أكثر من فئة يشير إلى بروز صوت إخراجي نسائي يحمل ملامح خاصة، وهو مؤشر إيجابي في سياق تنوع الرؤى داخل السينما المصرية.

تفوق تقني وتنوع في الجوائز الفنية
توزيع الجوائز الفنية على أكثر من فيلم – من «الست» إلى «سيكو سيكو» – يعكس عدم احتكار عمل واحد لكل عناصر التميز، وهو ما يمنح خريطة الجوائز قدرًا من التوازن.
كما أن فوز أسماء مثل ليال وطفه وكمال الملاخ يؤكد حضور عناصر الموسيقى والمونتاج كعناصر مؤثرة في تشكيل التجربة السينمائية.
دلالة حجب جائزة المكياج
قرار محمود عبد السميع بحجب جائزة “أحسن مكياج” يحمل دلالة مهمة، إذ يعكس تمسك المهرجان بمعايير جودة صارمة، وعدم منح الجوائز إلا في حال توافر مستوى فني يستحق التتويج، وهو توجه يعزز مصداقية المهرجان.
خريطة سينمائية متعددة الاتجاهات
في المجمل، تكشف جوائز الدورة الـ52 عن مشهد سينمائي متنوع، يجمع بين أفلام تعتمد على الحرفية التقنية والجاذبية الجماهيرية، وأخرى تنحاز إلى الطرح الفني العميق وسينما المؤلف، إلى جانب بروز جيل جديد من المبدعين أمام الكاميرا وخلفها.
هذه الخريطة تؤكد أن السينما المصرية تعيش مرحلة حيوية، تتعدد فيها الأصوات والرؤى، وهو ما يعزز من فرص تطورها واستمرارها في المنافسة إقليميًا ودوليًا.
