بقلم: محمد قناوي
في زحام الأسماء اللامعة والأضواء الصاخبة، يمرّ بعض الفنانين بهدوء، لكنهم يتركون أثرًا أعمق من كثيرين تصدّروا المشهد، الفنان محمد محمود واحد من هؤلاء؛ ممثل لا يراهن على البطولة المطلقة بقدر ما يراهن على الصدق، ولا يطارد النجومية بقدر ما يصنع حضوره بثبات واحترام، حتى صار من تلك الفئة النادرة التي يمكن وصفها ببساطة: «ملح الأرض».
موهبة تقوم على الاقتصاد والصدق
لا يحتاج محمد محمود إلى مشاهد طويلة أو حوارات رنّانة ليُثبت موهبته، يكفيه مشهد واحد متقن، أو نظرة صادقة، أو جملة تقال في توقيت دقيق، ليمنح الشخصية حياة كاملة، هو من الممثلين الذين يدركون أن التمثيل ليس استعراضًا، بل مسؤولية تجاه الشخصية وتجاه المتفرج.
اختيار الطريق الأصعب
منذ بداياته، اختار أن يسير في الطريق الأصعب: طريق الأدوار المركبة والإنسانية، تلك التي تشبه الناس في الشوارع والبيوت والمقاهي، لا أبطال الورق اللامعين بلا ملامح، لذلك رأيناه أبًا بسيطًا، وموظفًا منهكًا، وصديقًا مكسورًا، أو رجلًا يخبئ ضعفه خلف قسوة ظاهرة، وفي كل مرة، كان ينجح في أن يجعلنا نصدّق، وربما نتعاطف، وربما نغفر.
سحر التفاصيل الصغيرة
تميّز محمد محمود بقدرته على الإمساك بالتفاصيل الصغيرة: طريقة الجلوس، نبرة الصوت حين تنكسر، الصمت الذي يسبق الاعتراف، أو الابتسامة التي تخفي وجعًا قديمًا، تلك التفاصيل هي ما يصنع الفارق بين ممثل يؤدّي دورًا، وفنان يخلق إنسانًا من لحم ودم.
ورغم مشاركته في أعمال جماهيرية كبيرة، لم ينجرف وراء القوالب الجاهزة، ولم يحصر نفسه في نوع واحد من الشخصيات.
«بيت بابا»… الكوميديا حين تصبح مرآة للمجتمع
تجلّى هذا المزيج من الواقعية والصدق في آخر أعماله، مسلسل «بيت بابا»، الذي ينتمي إلى نوعية الأعمال الكوميدية الاجتماعية، ويقدّم إطارًا يجمع بين الضحك ومناقشة القضايا الأسرية بأسلوب خفيف وبسيط.
استطاع محمد محمود أن يلفت الانتباه بشخصية ناظر المدرسة المتقاعد أسعد أبو الصفا، الذي يحاول إدارة أسرته بالقوانين نفسها والانضباط الصارم الذي اعتاد عليه داخل المدرسة، ليصطدم بعالم مختلف يمثّله أبناؤه من الجيل الجديد، هذا الصراع بين الصرامة التقليدية والحيوية الشبابية كان أحد أسرار نجاح المسلسل.
تعاطف الجمهور وبطولة مستحقة
احتفى الجمهور بأداء محمد محمود، مؤكدين أنهم شعروا بسعادته الحقيقية وهو يحقق حلم البطولة المطلقة، وهو ما انعكس على أدائه الصادق والمحبوب، جاءت الشخصية قريبة من القلب رغم صرامتها، ومليئة بمواقف كوميدية نابعة من الواقع.
كما أثارت شخصية أسعد أبو الصفا تعاطف المشاهدين، الذين رأوا فيها أبًا يحاول السيطرة بدافع الخوف والحرص، لا القسوة فقط، ما أضفى على الدور عمقًا إنسانيًا إلى جانب خفة الظل.
عندما يتكلم الفن بهدوء
نجاح مسلسل «بيت بابا» لم يأتِ صدفة؛ فمحمد محمود أثبت من خلال أدائه أنه ممثل يمتلك أدوات قوية وقدرة على قيادة العمل بثقة وذكاء، ليصبح مثالًا حيًا على أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ كي يُسمَع، بل إلى روح صادقة كي يُصدَّق.
«ملح الأرض»… مكانة لا لقب
«ملح الأرض» ليس وصفًا عابرًا لمحمد محمود، بل مكانة حقيقية؛ ممثل يضيف للعمل نكهته الخاصة، ويمنحه توازنًا وصدقًا، ويذكّرنا في كل ظهور أن الأداء الصادق والموهبة المتزنة هما سرّ التأثير والنجاح في عالم الفن.
