محمد قناوي يكتب: «متولي وشفيقة».. القاتل أصبح سجينًا والضحية بطلة

أعلى «سوكسيه» لعرض مسرحي في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، حصل عليه العرض المصري «متولي وشفيقة»، من إنتاج فرقة مسرح الطليعة بقيادة الفنان سامح بسيوني ، ضمن خطة البيت الفني للمسرح برئاسة الفنان إيهاب فهمي ، والذي تم تقديمه مساء أمس- الثلاثاء- ضمن مسابقة العروض الكبرى بالمهرجان، وقبل أن تطأ قدماي مسرح مركز السلطان قابوس الثقافي، كنت أخشى أن أجد نسخة مسرحية من الفيلم السينمائي الشهير الذي قامت ببطولته سعاد حسني وأحمد زكي عام 1979، والذي أصبح واحدًا من كلاسيكيات السينما المصرية

وفي الوقت نفسه ظل سؤال آخر يلح عليّ: ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه المؤلف محمد علي إبراهيم والمخرج أمير اليماني لحكاية شعبية راسخة في الذاكرة المصرية، نعرف تفاصيلها ونهايتها، وتدور حول شفيقة وشقيقها متولي في صعيد مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟ لكن المفاجأة أن العرض لم يدخل إلى الحكاية من الباب الذي نعرفه، وإنما فتح بابًا آخر تمامًا؛ فالحكاية التي اعتدنا أن نراها من جهة «شفيقة»، يعيد العرض تركيبها من داخل وعي «متولي» ، ولذلك لم يكن تقديم اسمه على اسم «شفيقة» في عنوان المسرحية مجرد تبديل لغوي، بل كان إعلانًا عن تغيير مركز الحكاية نفسها.

من «بطل» يذبح أخته.. إلى رجل يذبحه الندم

المفاجأة الأكبر في «متولي وشفيقة» ليست في إعادة سرد الحكاية، وإنما في هدم الصورة التي استقرت لها في الذاكرة الشعبية، نحن أمام متولي بعد الجريمة، لا أمام متولي لحظة ارتكابها. رجل عاد من “الجهادية” أو الجيش، فيما أهله وأهل قريته ينتظرونه للاحتفاء به باعتباره «بطلًا» أعاد شرف العائلة، لكنه لا يستطيع أن يشاركهم الاحتفال؛ لأن شيئًا ما انكسر داخله إلى الأبد، وهنا يضع العرض إصبعه على الجرح الحقيقي: من الذي قتل شفيقة؟

هل هو متولي وحده؟ أم مجتمع كامل زرع في رأسه أن «العار» يمكن غسله بالدم، ثم كافأه معنويًا عندما ارتكب الجريمة؟، هذه هي النقلة الأكثر جرأة في رؤية محمد علي إبراهيم وأمير اليماني، فمتولي ليس بطلاً تقليديًا ولا شريرًا مكتمل الملامح، إنه رجل تحول إلى قاتل تحت ضغط منظومة اجتماعية، ثم اكتشف متأخرًا أنه لم يستعد شرفًا، وإنما فقد أخته وإنسانيته معًا، ومن هنا يصبح خروجه من السجن مجرد وهم؛ فالسجن الحقيقي يبدأ عندما يعود إلى البيت، حيث تطارده صورة شفيقة وذكريات طفولتها وصباها وحبها له.

لقد خرج من السجن الذي صنعه القانون، ودخل السجن الذي صنعه ضميره، والأكثر قسوة أن المجتمع في الخارج لا يزال يراه بطلًا!

«متولي وشفيقة».. العنوان يفضح الجريمة قبل أن تبدأ

ليس مصادفة أن يأتي اسم متولي أولًا، فالعرض ينقل الحكاية من «شفيقة ومتولي» إلى «متولي وشفيقة»، وكأن المخرج والكاتب يقولان منذ اللحظة الأولى إننا لن نروي مأساة الضحية بالطريقة المعتادة، بل سنبحث عن الجريمة داخل رأس من ارتكبها، ولهذا تتحول شفيقة إلى حضور طاغٍ رغم غيابها، إنها تظهر في ذاكرة متولي، في طفولتها، في علاقتها به، في لحظات ضعفها.

وفي النهاية في السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه، كيف قتل الإنسان الذي أحبته ووثقت به؟، وهنا ينجح العرض في قلب المعادلة الأخلاقية، فالحكاية الشعبية القديمة اعتادت أن تسأل: ماذا فعلت شفيقة حتى استحقت الموت؟ أما المسرحية فتقلب السؤال: ماذا فعل المجتمع بشفيقة حتى أصبح موتها مقبولًا؟.

إنها ليست محاكمة لمتولي وحده، وإنما محاكمة لفكرة كاملة عن الشرف والعار والمرأة والجريمة، ولذلك فإن شفيقة في العرض لا تظهر بوصفها «الفتاة الخاطئة» التي يجب التخلص منها، وإنما باعتبارها إنسانة دفعتها ظروف أقسى منها إلى طريق لم تختر نهايته، وهنا تحديدًا يخرج العرض من أسر الحكاية التراثية إلى مواجهة مباشرة مع بنيتها الذكورية.

الجوقة ليست أشباحًا.. إنها أصوات المجتمع

من أذكى عناصر العرض توظيف الجوقة في صورة أشباح تحيط بمتولي داخل البيت، فهي ليست مجرد مجموعة تتحرك في الخلفية، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها المجتمع نفسه وقد تحول إلى صوت يسكن داخل رأس القاتل، تظهر الجوقة وتتحرك وتشارك في الحوار وتربط بين المشاهد، لكن وجودها المستمر يحمل معنى أعمق: متولي لا يستطيع أن يكون وحده، لأن المجتمع الذي دفعه إلى الجريمة لا يزال يراقبه حتى بعد انتهائها، وكأن الجدران نفسها تنطق.

ويحسب للمخرج أمير اليماني أنه لم يسمح لهذه الفكرة بأن تتحول إلى استعراض شكلي، بل دمجها داخل البناء الدرامي، مستفيدًا من الحركة والاستعراضات التي صممها أحمد مانو، لتصبح الجوقة جزءًا من الحكاية ومن الصراع النفسي في آن واحد، أما الفلاش باك، فجاء امتدادًا طبيعيًا لهذه الرحلة داخل الذاكرة؛ فالماضي لا يظهر لمجرد شرح الأحداث، وإنما يعود لأن متولي نفسه يحاول إعادة تركيب الجريمة وفهمها، والانتقال بين الماضي والحاضر يتم بسلاسة، بحيث يصبح الزمن نفسه جزءًا من الحالة النفسية للشخصية.

مسرح بصري..الجدران شاهدًا على الجريمة

السينوغرافيا التي صممها الدكتور محمد سعد تقوم على ديكور واحد ثابت لبيت ريفي فقير، لكنه يتحول خلال العرض إلى أكثر من مكان وأكثر من زمن .. الباب، والأرجوحة التي صنعها متولي لشفيقة، والسرير والدكة والفجوات المستخدمة للتخزين، ليست مجرد تفاصيل واقعية، وإنما مكونات لذاكرة المكان، فالبيت الذي كان في الماضي مساحة للحماية يصبح بعد الجريمة مساحة للحصار.

وتأتي أزياء غادة شلبي لتضيف طبقة أخرى من الدلالة، خصوصًا أن ملابس الجوقة جاءت من لون جدران البيت، فتبدو في لحظات سكونها وكأنها جزء من المكان نفسه. وهنا تصبح الفكرة أكثر وضوحًا،  المجتمع ليس خارج البيت.. المجتمع هو الجدار الذي يحاصر متولي، وتؤدي إضاءة إبراهيم الفرن دورًا يتجاوز الإنارة، فتشارك في صناعة التحولات والانفعالات، بينما تمنح استعراضات أحمد مانو للجسد وظيفة سردية، بحيث يصبح التعبير الحركي أحيانًا أكثر بلاغة من الحوار.

محمد فريد.. قاتل بلا بطولة

أداء محمد فريد  لمتولي هو أحد أهم مفاتيح نجاح العرض، فالشخصية كان يمكن بسهولة أن تقع في فخ المبالغة أو أن تقدم باعتبارها قاتلًا شريرًا، لكن الأداء اختار منطقة أكثر صعوبة، منطقة الرجل الذي يعرف أنه ارتكب الجريمة، لكنه يعرف أيضًا أنه لم يكن وحده في صناعتها،

يظهر متولي مذهولًا، نادمًا، رافضًا لما حدث، وكأنه يعاقب نفسه بنفسه، وهنا تصبح المفارقة مؤلمة، المجتمع يريد أن يحتفل به، بينما هو يريد أن يختفي من الصورة التي صنعها له المجتمع، أما شفيقة، ففي نسخة “ظفار” تم اختصار مراحلها إلى الطفولة والشباب، وجسدتها “دالا حربي ويسرا المنسي”، دون أن يشعر المتلقي بفجوة في البناء الدرامي، وتتحمل يسرا المنسي المساحة الأكبر من التحول، بينما تمنح دالا حربي للطفولة ما تحتاجه من براءة وحيوية،  ويقدم أحمد عودة شخصية “دياب” بعيدًا عن نمطية الشرير التقليدي، بينما يسهم صلاح السيسي وإسلام مصطفى وتقى طارق في استكمال النسيج الاجتماعي للحكاية.

 

شفيقة لم تكن المتهمة.. كانت القضية

قوة «متولي وشفيقة» لا تأتي من أن الجمهور لا يعرف النهاية، بل من أن العرض يجعلنا نعرفها أكثر من مرة، وفي كل مرة نراها من زاوية مختلفة، لقد انتزع المخرج أمير اليماني الحكاية من منطقة «التراث المعروف» ووضعها أمام سؤال معاصر، هل يمكن أن يتحول العنف إلى فضيلة فقط لأن المجتمع أطلق عليه اسم «الشرف»؟

وهنا تصبح شفيقة أكبر من شخصية مسرحية، إنها صوت كل امرأة أدينت قبل أن يتم سماعها، وكل ضحية تحولت في رواية المجتمع إلى متهمة، وكل جريمة حاول أصحابها أن يمنحوها غطاءً أخلاقيًا، أما متولي، فلم يعد بطل الحكاية، إنه أول ضحايا الجريمة وآخر سجناءها، فالذين انتظروه خارج السجن ليصفقوا له لم يفهموا أن الرجل الذي عاد إليهم لم يعد هو الرجل نفسه، لقد قتل شقيقته مرة، لكن الحكاية تقول إنه سيظل يقتلها داخل ذاكرته كل يوم، وهنا تكمن الضربة التي يوجهها العرض إلى الموروث،  ليس كل من احتفى به المجتمع بطلًا، وليس كل من اتهمها المجتمع مذنبة.

أحيانًا يكون «البطل» هو الجاني، وتكون الضحية هي صاحبة الرواية التي لم يسمح لها أحد بأن ترويها، وهذا بالضبط ما يفعله «متولي وشفيقة»، يعيد شفيقة إلى الحكاية، لا باعتبارها امرأة أخطأت، وإنما باعتبارها إنسانة سلب منها حقها في أن تختار مصيرها.. ثم سلب منها حتى حقها في رواية موتها.