نادية الصبار – المغرب
مع حلول السابعة من مساء الثاني من يوليو 2026، وعلى وقع غروب صيفي أضفى على مراكش الحمراء سحراً استثنائياً، انطلقت فعاليات الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، في مشهد كرنفالي أعاد إلى المدينة شيئاً من وهجها التاريخي، وجعلها تنبض بإيقاعات التراث المغربي الأصيل.
وتوافدت الفرق الشعبية القادمة من مختلف جهات المملكة إلى ساحة قصر البلدية، مرتدية أزياءها التقليدية الزاهية، وحاملة معها ألواناً وإيقاعات تعكس ثراء الهوية المغربية وتنوع روافدها الثقافية، لتبدأ رحلة جديدة من الاحتفاء بتراث تناقلته الأجيال، وحفظته الذاكرة الجماعية، وصانته الحناجر والوجدان.
أسراب فنية تحمل رسائل الجهات المغربية
من قصر البلدية إلى قلب المدينة العتيقة، تحركت الفرق الشعبية في موكب احتفالي بدا كأنه أسراب زاجلة تحمل رسائل الوطن. لكل فرقة لونها الخاص، ولكل رقصة طقوسها، ولكل إيقاع حكاية تنتمي إلى منطقة من مناطق المغرب.
رقصات تستحضر مواسم الحصاد، وأهازيج تمجد الحب والجمال والزواج، وزغاريد تشعل الحماس، وإيقاعات تنبعث من قرع الطبول ونقر الدفوف، بينما تتناغم معها تصفيقات الجمهور في لوحة إنسانية احتفت بالموروث الشعبي بكل تجلياته.
الأزياء التقليدية… خريطة بصرية للمغرب
لم تكن الجلاليب البيضاء، ولا الملاحف الصحراوية، ولا الأزياء الأمازيغية المطرزة، ولا الحلي التقليدية مجرد عناصر جمالية، بل بدت وكأنها خريطة بصرية تختزل جغرافيا المغرب وتنوعه الثقافي.
فكل زي حمل بصمته الخاصة، وكل قطعة جسدت هوية منطقة بعينها، لتلتقي جميعها تحت مظلة واحدة عنوانها “تمغربيت”، التي تجمع بين التعدد الثقافي ووحدة الانتماء، وتؤكد أن التراث ليس ماضياً يُستحضر، بل هو حاضر يتجدد باستمرار.

سؤال الذاكرة في زمن الرقمنة
وسط هذا الاحتفاء الباذخ، فرض سؤال نفسه بقوة: كيف استطاع هذا التراث اللامادي، الذي وُلد في القرى والجبال والواحات والصحارى، أن يصمد أمام تحولات العصر؟
وكيف حافظت هذه الفنون الشعبية على حضورها رغم تسارع التكنولوجيا والرقمنة، لتظل حية في وجدان المغاربة، وقادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بذات القوة والجمال؟
ربما تكمن الإجابة في أن هذا التراث لم يكن يوماً مجرد عروض فنية، بل ظل تعبيراً صادقاً عن الإنسان المغربي، وعن ذاكرته الجماعية التي تتوارثها الأجيال باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية.
من شوارع مراكش إلى قصر البديع… حيث يلتقي التاريخ بالفن
بعد تقديم عروضها الأولى أمام جمهور المدينة الحمراء، انطلق الموكب الاحتفالي عبر الأزقة والشوارع التاريخية، في لوحة امتزجت فيها الفرق الشعبية بعربات “الكوتشي”، وصهيل الخيول المزينة، وفضول المارة، وانبهار السياح، حتى بدت مراكش نفسها جزءاً من العرض، بل بطلة من أبطاله.
ومع وصول الموكب إلى قصر البديع، التقت ذاكرة الإنسان بذاكرة المكان، في مشهد جسّد العلاقة الوثيقة بين التراث والعمران، وبين الماضي والحاضر.
وهكذا، يواصل المهرجان الوطني للفنون الشعبية، في دورته الخامسة والخمسين، أداء رسالته الثقافية التي حملها لأكثر من نصف قرن، محافظاً على كنوز التراث المغربي اللامادي، ومؤكداً أن هذا الإرث، بكل ما يحمله من تنوع وثراء، لا يزال قادراً على الإبداع والإدهاش، وعلى العبور بثقة نحو المستقبل.
