زكريا عبد الجواد يكتب: نجوم صنعوا مجدهم السينمائي بــ «نظرة عين»

لم يكن هذا الرجل أبي، ولا تربطني به أي صلة، ومع ذلك كنت أرتجف كلما نظرت لعينيه وهو غاضب، وأشعر بأنه قد يكسر زجاج شاشة التلفاز ويخرج منها ليضمني لقائمة المشمولين بوعيده!

ظل هذا الإحساس يراودني وأنا صغير – وحتى الآن – ينتابني الشك بأن كل ما أداه العملاق «زكي رستم» من أدوار كان عبارة عن (تمثيل × تمثيل)!

هو أحد القلائل في تاريخ السينما العربية وهبهم الله مقدرة على توظيف العين كلغة سينمائية قائمة بذاتها، ولا عجب في ذلك فالعين نافذة الروح، وعدسة العقل، وبها تتحول اللقطة الصامتة إلى حوار مكثف، ويستطيع المخرج التعبير عما لا يمكن قوله بالكلمات.

كانت عينا «زكي رستم» أصدق من عدسة الكاميرا، وأبرع أدواته، تبدوان حادتين، عميقتين، تمتلكان نظرة تخترق حواس الممثل الذي أمامه، هو المعلم «أبو ركبة» في فيلم «الفتوة» تاجر الخضار المحتكر، في واحد من أعظم مشاهد السينما بالعينين، أداره ببراعة ملك الواقعية صلاح أبو سيف.

في مشهد النهاية الشهير من نفس الفيلم، عندما حبس المعلم «أبو ركبة» داخل ثلاجة الخضار ويبدأ جسمه في التجمد، تحولت عيناه إلى عدسة زجاجية خالية من الحياة، لكنها تشع رعباً داخلياً هائلاً، ليجسد قمة العجز أمام جبروت الموت المحتوم.

هما العينان نفسهما اللتان امتلكتا القدرة على التحول من الشر إلى الخير وحملتا في نظرتهما قمة الطيبة والانكسار والضعف الإنساني في أفلام: (أنا وبناتي، أعز الحبايب، ومعلش يا زهر)

مرت سنون على وفاة هذا العملاق، ولكن سيظل أداؤه البصري حياً بتنوع أدواره وانفعالاته، وماركة مسجلة باسم «رائد التقمص» الأشهر في تاريخ الفن العربي.

عينا عدلي كاسب.. ينبوع الخير والشر

امتلك الممثل الرائع «عدلي كاسب» عبقرية خاصة في توظيف عينيه للوصول بدوره إلى قلب المشاهد، حيث كانت عيناه أداة رئيسية للتنقل المباغت الذكي بين الكوميديا الصارخة والشر المطلق.

في فيلم «السفيرة عزيزة» كانت عيناه ممتلئتين بنظرة الشر والجبروت بأحد أشهر الأدوار التي قدمها (عباس الجزار، شقيق عزيزة) كانت عيناه تتحركان ببطء وثقة، ينظر إلى (شكري سرحان) من أعلى إلى أسفل بنظرة تفيض بالاحتقار والتهديد.

وفي مشهد ذبح البهائم أو تهديد الآخرين، كانت تظهر لمعة سادية غريبة تملأ عينين متسعتين لا ترمشان كثيراً، تنطقان بالرغبة في السيطرة وفرض النفوذ، مما جعل المشاهد يشعر بالخوف الحقيقي من هذه الشخصية!

وعلى النقيض تماماً، كان «عدلي كاسب» عبقرياً في توظيف عينيه لصناعة الكوميديا، والتقاط تفاصيل الشخصيات المستهترة أو المغفلة في أفلام مثل (لوكاندة المفاجآت) أو (العتبة الخضراء)، حيث كانت عيناه تزيغان بسرعة يميناً ويساراً لتعبر عن شخصية الرجل الذي يحيك مؤامرة أو يحاول اختلاس نظرة، وهو ما منح المشاهد إيحاءً فورياً بالكوميديا والمفارقة.

هو نفسه الذي وظف نظرات عينيه في تمثيل دور «عزت» الرجل الطيب المضحوك عليه من زوجته في فيلم «لقاء في الغروب»، وتمثلت عبقرية «كاسب» في الأداء بعينيه في المرونة الكبيرة، فلم تكن عيناه جامدتين في قالب واحد، إذ كان يعرف متى يمنحهما ثقلاً مخيفاً تلمح فيه أجواء الموت، ومتى يمنحهما خفة وشيطنة مملوءة بالضحك والسخرية، دون أن يفقد جزءاً من مصداقيته للحظة واحدة.

عينا صلاح منصور.. مرآة التنوع العبقري

لم يكن “يبرق” بعينيه لإخافة المشاهد بل ليسمح لانفعاله الداخلي بالظهور أولاً، فكانت انفعالات عينيه دائماً تسبق كلماته، ولهذا السبب ظل «صلاح منصور» أحد أباطرة الأداء التعبيري في تاريخ السينما العربية.

كانت عينا صلاح منصور أداة درامية بحد ذاتها، يمتلك القدرة على تحويل نظرته في جزء من الثانية من منتهى الطيبة والانكسار إلى ذروة الشر والوحشية، دون أن يحرك عضلة واحدة في وجهه!

امتلك «منصور» تكويناً فسيولوجياً مميزاً لعينيه (بارزتان بعض الشيء)، فاستغل هذا التكوين بذكاء شديد، ولا أحد ينسى عيني «العمدة عتمان» في فيلم «الزوجة الثانية» اللتين برع في توظيفهما لتجسيد الاشتهاء الجنسي، الجشع، والسلطة الغاشمة، وفي نهاية الفيلم، عندما يصاب بالشلل ويفقد القدرة على النطق، كانت عيناه الأداة الوحيدة لروعة التشخيص.

وفي أفلام مثل (البوستجي)، لعب دور “عبد الواحد” الأب الصارم ذي العقلية المتحجرة، فكانت عيناه تعملان كـ “رادار” يراقب كل التفاصيل. وظهرت عبقرية أدائه هنا في “نظرة الشك”؛ بعينين ضيقتين، تلاحقان الابنة، وتختبران النوايا، وتمهدان للمأساة في نهاية الفيلم.

أحمد زكي.. إمبراطور التنوع كما يقول الكتاب

الكاميرا تحب العيون الصادقة، وعينا أحمد زكي لم تكونا مجرد أداة تمثيل، بل شاشة عرض موازية، توضح العمق النفسي للشخصية، ولذا أعتبره “الإمبراطور الحقيقي” وأحد ملوك التشخيص بعينين سوداوين داكنتين، واسعتين، قادرتين على امتصاص الانفعال أو إشعاعه وفقاً للمشاعر المطلوبة للشخصية.

بنظرة من عينيه أقنعنا بأنه الشريد المخذول في (البريء) بشخصية «أحمد سبع الليل»، حيث جسد بعينيه قمة النقاء الفطري الذي يعاني صدمات كشف الحقائق.

كان متمكناً بنظرة الصدق في تجسيد الضياع والكبرياء في (أحلام هند وكاميليا) حيث برع في تجسيد سيكولوجية الشخصيات المعقدة والمأزومة بوضوح تام.

وفي دوره العقيد هشام في فيلم (زوجة رجل مهم) كانت عيناه جزءاً من شخصية الضابط المستغل لنفوذه، الممتلئ بنظرات الغرور والعظمة، وعندما يحال إلى التقاعد، تظهر العبقرية الحقيقية لهذا الممثل الفذ، إذ تفقد عيناه تلك القوة، وتصبحان مليئتين بانطفاء يليق بانكسار السطوة والنفوذ.

في ثنائية «الهروب» و«طائر على الطريق» امتلك «أحمد زكي» قدرة مرعبة على التحكم في “لمعة” عينه وهي تقنية تعرف بــ «تغيير لون النظرة»، وتحديداً في مشهده مع والدته (أمينة رزق) وفي مطارداته، كانت عيناه تشعان بنظرة الصقر المحاصر؛ بمزيج من الحنان الجارف تجاه أهله، والشراسة الخالصة تجاه من يطاردونه.. كانت عيناه تبدوان وكأنهما تشتعلان في مشاهد المواجهة.

الوصول للروح البصرية

وفي أفلام السير الذاتية «ناصر 56، أيام السادات، حليم» يكون التحدي الأكبر لأي ممثل هو تقليد شخصيات عامة يعرفها الجمهور، لكن أحمد زكي قفز على تقليد الشكل بالماكياج، ونجح في الوصول إلى الروح «البصرية» لكل شخصية أداها.

حين لعب دور «عبد الناصر» استعار نظرة القائد المثقل بالهموم، النظرة المغمسة بآمال حالمة بعيدة، وفي «أيام السادات» التقط حركة العين المتأملة والمختالة، «نظرة الثعلب» التي تقرأ أفكار الآخرين، وتخفي وراءها دهاءً سياسياً واجتماعياً كبيراً.

كانت عينا «أحمد زكي» مرآة تعكس الصراع الطبقي، والقهر النفسي، والحب الجارف، والجنون، وكانت النظرة عنده لحظة برق، تصل للمشاهد قبل الصوت والحركة، وهو ما جعل أداءه حياً، طازجاً، عابراً للزمن، لدرجة أنك لو كتمت صوت التلفاز وتأملت عينيه فقط، لوصلتك تفاصيل القصة، وتلقيت حصتك من الوجع أو الفرح كاملة.