يعد فيلم «القصص» للمؤلف والمخرج أبو بكر شوقي من الأفلام التي تحمل قدرا كبيرا من الصدق الإنساني، فالفيلم مستوحى من قصة حقيقية ، ويتتبع رحلة عائلة مصرية عبر سنوات طويلة من التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد.
حضرت قبل يومين عرضه الخاص وسط أبطاله وصنّاعه وعدد من الإعلاميين والنقاد، يستعد الفيلم للانطلاق في دور العرض السينمائية يوم 17 يونيو، ليضع أمام الجمهور تجربة درامية تمزج بين البعد الاجتماعي والرؤية النقدية لعدد من القضايا المعاصرة.
ومنذ اللحظات الأولى يشعر المشاهد أنه أمام عمل شخصي للغاية، يحاول صاحبه أن يوثق ذكرياته وذكريات أسرته قبل أن يروي مجرد حكاية سينمائية تقليدية، حيث يقدم المؤلف والمخرج أبو بكر شوقي في فيلم «القصص» عملاً شديد الخصوصية، مستندا إلى قصة مستوحاة من تاريخ أسرته، ليصنع رحلة تمتد عبر سنوات طويلة من التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع المصري، ويعتمد على استدعاء الذاكرة الشخصية وتحويلها إلى مادة سينمائية، لكنه في الوقت نفسه يثير عددا من الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها.
لكن المشكلة الأساسية التي واجهت الفيلم تكمن في أن المسافة بين الذاتي والفني لم تكن دائمًا متوازنة فحين يقترب المخرج من تفاصيل حياته الخاصة أكثر من اللازم، يصبح من الصعب أحيانا التمييز بين ما يخدم الدراما وما يخدم الحنين الشخصي للذكريات.
اداء تمثيلي صادق وحضور مميز
اما على مستوى الأداء التمثيلي قدمت نيللي كريم شخصية الأم بإحساس صادق وحضور مميز، لكنها في الوقت نفسه بدت وكأنها تعود لاستكمال الشخصية التي قدمتها قبل سنوات في مسلسل «ذات»، فهناك تشابه واضح في الملامح النفسية وطريقة الأداء وحتى طبيعة المرأة المصرية التي تواجه تقلبات الحياة وتتحمل مسؤوليات الأسرة وسط تغيرات المجتمع ، لذلك شعر بعض المشاهدين أن نيللي كريم تتحرك داخل منطقة مألوفة سبق أن زارتها بنجاح، أكثر من كونها تقدم شخصية جديدة تمامًا تحمل بصمتها الخاصة.
أما أمير المصري فنجح في تقديم أداء هادئ ومتزن، معبرا عن حالة جيل كامل عاش بين الأحلام الكبيرة والواقع الصعب
بينما قدم كريم قاسم حضوره المعتاد الذي يجمع بين البساطة والصدق
كذلك أضاف أحمد كمال وشريف الدسوقي وصبري فواز الكثير من المصداقية للمشاهد التي ظهروا فيها، مستفيدين من خبراتهم الكبيرة وقدرتهم على منح الشخصيات الثانوية حياة حقيقية.
ومن الشخصيات اللافتة داخل الفيلم شخصية الإعلامي التي قدمها الفنان حسن العدل ورغم محدودية المساحة الزمنية للشخصية، فإنها حملت دلالات تتجاوز وجودها الدرامي المباشر، حيث بدت وكأنها ترصد نموذجا لبعض الإعلاميين الذين تتغير مواقفهم بتغير المناخ السياسي والاجتماعي، فنجح “العدل” في تقديم الشخصية بهدوء وخبرة، معتمدا على حضوره الطبيعي وقدرته على إيصال المعنى دون مبالغة، لتتحول الشخصية إلى أداة تطرح تساؤلات حول دور الإعلام وعلاقته بالسلطة، وكيف يمكن لبعض الأصوات أن تصبح «ملكية أكثر من الملك» في دفاعها عن المواقف الرسمية، حتى وإن تبدلت تلك المواقف مع مرور الزمن.

جمال الفكرة الأساسية وثراء المادة الإنسانية
اما المستوى البناء الدرامي والإيقاع فرغم جمال الفكرة الأساسية وثراء المادة الإنسانية، وقع العمل في فخ الإطالة وتكديس المشاهد هناك عدد غير قليل من المشاهد التي بدت وكأنها موجودة فقط لاستعراض الذكريات أو تأكيد معلومات سبق أن وصلت إلى المتفرج بالفعل ومع مرور الوقت يتحول هذا التراكم إلى نوع من الضجيج الدرامي الذي يبطئ الإيقاع ويجعل المشاهد ينتظر اللحظة التالية أكثر مما يعيش اللحظة الحالية.
كان الفيلم في حاجة إلى قدر أكبر من التكثيف، لأن الحكاية في جوهرها قوية وقادرة على التأثير، لكنها فقدت جزءا من هذا التأثير بسبب الاستغراق في التفاصيل، فليس كل ما يصلح للذاكرة يصلح بالضرورة للسينما، والسينما بطبيعتها فن الاختزال والانتقاء.
ومن الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها لانني زمالكاوية متعصبة وبالوراثة هناك مغالطة تاريخية مرتبطة بكرة القدم المصرية ، فالفيلم يوحي في أحد مشاهده بأن نادي الزمالك لم يكن يعيش أفضل فتراته خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، بينما تؤكد الوقائع التاريخية أن الزمالك كان أحد أقوى الأندية المصرية في تلك المرحلة، وضم أسماء كبيرة وحقق بطولات مهمة وظل منافسًا رئيسيا على الساحة الرياضية وربما تبدو هذه الملاحظة بسيطة للبعض، لكنها مهمة لأن الفيلم يعتمد بدرجة كبيرة على استحضار حقبة تاريخية محددة.
ورغم تلك الملاحظات، لا يمكن إنكار الجهد الكبير المبذول في إعادة بناء الأزمنة المختلفة التي تدور خلالها الأحداث، فالديكورات والملابس واختيار مواقع التصوير ساهمت في خلق أجواء مقنعة، كما نجح الفيلم في استدعاء روح فترات زمنية متباينة دون افتعال واضح.
فيلم «القصص» عملا يحمل مشاعر صادقة ونوايا فنية نبيلة، لكنه فيلم كان يمكن أن يصبح أكثر تأثيرا لو تحرر من بعض الاسترسال والحنين الزائد إلى التفاصيل إنه فيلم يملك قلبا كبيرا وحكاية تستحق أن تروى، لكنه في بعض اللحظات ينشغل بالحكاية أكثر مما ينشغل بكيفية روايتها.
