كان – عبدالستار ناجي
تذهب المخرجة اليمنية – الاسكتلندية سعاد إسحق بعيدًا في فيلمها الجديد «المحطة»، الذي عرض ضمن الاختيارات الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي، وتحديدًا في مسابقة أسبوع النقاد، حيث تقدم عملاً سينمائيًا يحتفي بالمرأة اليمنية وقدرتها على الصمود وتعويض غياب الرجل الذي استنزفته الحروب والجبهات والانقسامات الممتدة عبر سنوات طويلة من التشرذم والاقتتال.
الفيلم يضع المرأة اليمنية في قلب المشهد، بوصفها الحارس الأخير للأسرة والمجتمع، في بلد أنهكته التحولات السياسية والاقتصادية، وكانت النساء والأطفال فيه الضحية الأكبر.
محطة وقود تتحول إلى مساحة للحياة
تدور أحداث الفيلم داخل محطة وقود مخصصة للنساء فقط في بلدة يمنية معزولة مزقتها الحرب، حيث نتابع حكاية «ليال»، الشابة التي تحاول حماية شقيقها الصغير ذي الاثني عشر عامًا، والذي يعيش صراعًا داخليًا ورغبة متزايدة في إثبات رجولته وسط بيئة قاسية ومضطربة.
ومع وصول «شمس»، شقيقة ليال، تبدأ التحولات الكبرى داخل المحطة، خصوصًا أن شمس تتحرك بين الجبهات والمحاور المسلحة، في عالم تسيطر عليه التنظيمات ذات الخلفيات الإسلامية المتشددة، والتي تقدمها المخرجة بأسماء رمزية تحمل الكثير من الإسقاطات السياسية والفكرية المكتوبة بعناية.
الفيلم يكاد يخلو تمامًا من الرجال البالغين، فلا نرى سوى مجموعة من الصبية والمراهقين الذين ينفذون أوامر القيادات المسلحة، في مقابل حضور نسائي كثيف تتوزع أدواره بين القسوة والاحتواء والصمود.
وفي المقابل، تتحول المحطة إلى فضاء نسائي مفتوح للحوار واللقاء وتبادل الحكايات وشراء الاحتياجات الأساسية، وانتظار وصول الوقود الذي يعوض الغياب الكامل للكهرباء والخدمات.

سيناريو مثقل بالحكايات الفرعية
تعاونت سعاد إسحق مع الكاتبة نادية عليوات في كتابة السيناريو والحوار، حيث يتتبع العمل يوميات النساء اللواتي يجدن في المحطة متنفسًا وحيدًا وسط واقع خانق.
وتبرز شخصية «ليال» باعتبارها العمود الفقري للحكاية، إذ تحاول الحفاظ على ابن شقيقها من التنمر والانزلاق نحو العنف، بينما تدير تجارة بسيطة لبيع النفط، وتفتح أبواب المحطة لنساء القرية اللواتي يعانين من غياب الرجال وشح الموارد.
لكن الفيلم، رغم ثرائه بالمضامين، يبدو مزدحمًا بالحكايات الفرعية؛ من حكاية «شمس»، إلى «أم عبدالله» التي تدير القرية بعقلية عسكرية، وصولًا إلى الطفل أحمد، وغيرها من الشخصيات التي تدور جميعها حول فكرة حماية الأطفال والنجاة من الانهيار الاجتماعي.
هذا التكدس الحكائي أرهق البناء الدرامي أحيانًا، وجعل بعض المسارات تبدو مكررة وتقليدية، على حساب الخط الدرامي الرئيسي الذي كان الأكثر قوة وتأثيرًا.

صورة مصغرة لليمن
«المحطة» ليس مجرد فيلم عن محطة وقود، بل هو صورة مصغرة لليمن، وربما لعدد من بلدان العالم الثالث التي مزقتها الحروب والانقسامات.
عمل مشبع بالتأملات، ثري بالشخصيات، ومثقل بالأسئلة حول التفكك الاجتماعي والتحولات التي تضرب بنية المجتمع العربي في العمق.
ومن خلال هذا العالم، تدافع سعاد إسحق عن القضايا الجندرية، وتفتح ملفات المرأة اليمنية وما تواجهه من ألم ومعاناة في ظل التحولات السياسية والاقتصادية العنيفة التي عصفت ببلادها.
أداء عفوي وإنتاج بصري مميز
يتميز الفيلم بحضور أداءات عفوية ورقيقة بعيدة عن التكلف، وهو أمر ينسجم مع طبيعة التجربة السينمائية والبيئة الواقعية التي تتحرك فيها الشخصيات.
كما يحمل العمل قيمة إنتاجية واضحة، خصوصًا أنه صوِّر بالكامل في الأردن ضمن مواصفات فنية وإنتاجية متميزة، تعكس تطور السينما اليمنية وسعيها لتقديم خطاب بصري قادر على الوصول إلى العالم.
ويبقى أن نقول إن فيلم «المحطة» يمثل تجربة سينمائية إنسانية تحتفي بالمرأة اليمنية ونضالها المستمر من أجل حماية أسرتها والحفاظ على ما تبقى من مجتمعها، في زمن تبدو فيه الحرب أكبر من الجميع.
