مهرجان كان 2026: حفصة حرزي تتألق في «كلمات حب قليلة».. مرثية إنسانية لغياب الأب

كان – عبدالستار ناجي

تواصل النجمة التونسية الفرنسية حفصة حرزي تأكيد مكانتها كواحدة من أهم ممثلات جيلها، عبر أدائها الآسر في أحدث أفلامها «كلمات حب قليلة» للمخرج رودي روزنبرغ، والذي عُرض ضمن قسم نظرة ما في مهرجان كان السينمائي.

الفيلم يرسّخ حضور حفصة حرزي كممثلة تمتلك قدرة استثنائية على التقمص والمعايشة الدقيقة للشخصيات، إذ تقدم هنا شخصية الأم العزباء «إريكا» التي تربي طفليها بمفردها، في مواجهة فراغ عاطفي وإنساني يتركه أب غائب يرفض الاعتراف بابنته أو حتى رؤيتها.

رحلة بحث عن الأب.. والهوية

تدور أحداث «كلمات حب قليلة» حول الطفلة أبيجيل، التي تكبر وهي تحمل صورة وحيدة لوالدها البيولوجي، مقتنعة بأنه يحبها سرًا في مكان ما. وحين تقرر البحث عنه، تجد والدتها نفسها ممزقة بين الرغبة في مساعدتها وحمايتها في آن واحد.

ومنذ المشهد الافتتاحي، يضعنا الفيلم أمام صدمة إنسانية قاسية؛ أم وابنتها تقفان أمام منزل الأب، تناديانه عبر جهاز الاتصال الداخلي على أمل أن يفتح الباب أخيرًا. لكن الرجل يختار الصمت والاختباء، رافضًا حتى الاعتراف بوجودهما. ومن تلك اللحظة، يتحول هذا الغياب إلى جرح مفتوح يرافق الشخصيات لسنوات طويلة في ضواحي باريس.

سينما التفاصيل الإنسانية

بعد النجاح الذي حققه رودي روزنبرغ في فيلمه السابق الطفل الجديد، يواصل هنا مشروعه السينمائي القائم على التقاط هشاشة المراهقة والعلاقات الإنسانية المتصدعة، ولكن هذه المرة بقدر أكبر من النضج والرهافة.

الفيلم لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يعتمد على مشاهد يومية بسيطة، وحوارات تبدو عفوية لكنها مكتوبة بعناية شديدة، تمنح الشخصيات صدقًا وحميمية لافتة. ومن خلال هذا الأسلوب الهادئ، ينجح روزنبرغ في تقديم تحليل عميق لمعنى الهوية والحاجة إلى الاعتراف الأبوي، وتأثير الرفض الصامت على تكوين الإنسان نفسيًا وعاطفيًا.

حفصة حرزي.. أداء يلامس القلب

الفضل الأكبر في قوة الفيلم يعود إلى التناغم الكبير بين بطلتَيه. فحفصة حرزي تقدم أداءً شديد الحساسية، تمزج فيه بين الحنان والانكسار والقوة الداخلية، لتجسد أمًا تحاول حماية ابنتها من قسوة العالم، بينما تعجز في الوقت ذاته عن تضميد جراحها الخفية.

وفي المقابل، تفرض الممثلة الشابة التي تؤدي دور أبيجيل حضورها الطبيعي والعفوي، إذ تنجح في التعبير عن التناقضات المعقدة لشخصية مراهقة تتأرجح بين الغضب والأمل والسخرية والضعف.

تحليل اجتماعي للمجتمع الفرنسي

ورغم أن الفيلم يبدو ظاهريًا حكاية طفلة تبحث عن والدها، فإنه في العمق يقدم قراءة دقيقة للعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الفرنسي، ولأزمات التفكك الأسري والاغتراب العاطفي، بل ويطرح أسئلة مؤلمة حول المسؤولية والاعتراف والانتماء.

«كلمات حب قليلة» فيلم مشغول بعناية كبيرة على مستوى الكتابة والإخراج والأداء، ويحترم ذكاء المشاهد وقدرته على التأمل. كما أنه ينجح في أن يكون مؤثرًا دون افتعال، وإنسانيًا دون شعارات، ليؤكد أن السينما الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج بقدر حاجتها إلى الصدق.