كان – عبدالستار ناجي
يؤكد المدير الفني لمهرجان كان السينمائي، تيري فريمو، في أحاديثه دائمًا، أنه إذا كان أمامه فيلمان لمخرج ومخرجة، فإنه يميل غالبًا إلى اختيار الفيلم الذي يحمل توقيع امرأة.
ووفق هذا التوجه، تبدو المرأة المخرجة حاضرة بقوة ضمن عروض مهرجان كان هذا العام، وخاصة في المسابقة الرسمية التي تشهد مشاركة خمس مخرجات. وكانت أولى المخرجات اللاتي قدمن أعمالهن المخرجة الشابة شارلين بورجوا تاكيه، المعروفة بأعمالها «أناييس في الحب» (2021) و«بولين أسيرفي» (2018)، وصولًا إلى فيلمها الجديد «حياة امرأة».
في هذا العمل، تصنع شارلين الحكاية بوصفها ذريعة للغوص في قضايا وموضوعات ترصد من خلالها ألم وتعب الإنسان الفرنسي، عبر شخصية «غابرييل»، الجراحة التي تجاوزت الخمسين عامًا، والتي تتساءل عن الحب والرغبة والشيخوخة، وسط أزمة متفاقمة داخل المستشفى الذي تعمل به. وتتغير إيقاعات حياتها عندما تصل روائية شابة لمتابعتها أثناء إعداد كتاب جديد، لتتحول تلك الزيارة تدريجيًا إلى علاقة مختلفة ومشحونة بالمشاعر.

حول غابرييل تتشابك مجموعة من الحكايات المتداخلة، تبدأ من لهاثها اليومي داخل المستشفى، حيث تسرق ساعات العمل حياتها الخاصة ورغباتها وأسرتها، ومن هنا تتداعى القصص؛ أم تعاني من الزهايمر، وابن شاب من تجربة زواج سابقة، وزوج جديد يظل في انتظارها، بينما تبقى هي عالقة بين غرفة العمليات، وكلية الطب، والعلاقة مع فريق الأطباء والعاملين الذين لا يستطيعون مجاراة إيقاعها العالي… ذلك الإيقاع الذي يشبه فرنسا الحديثة، حين تتحول الحياة إلى آلة تطحن الإنسان والأسرة والعلاقات.
وفي لحظة شاردة، تزورها روائية شابة تستعد لكتابة عمل أدبي، فتتابعها وتجري معها سلسلة من اللقاءات التي تتحول تدريجيًا إلى نبض عاطفي عاصف، يذكر الطبيبة بأنها نسيت أن تكون امرأة بمشاعرها وأحاسيسها، بعدما كرّست حياتها لتكون الجراحة الصارمة، والمدافعة عن المستشفى الحكومي الذي يستنزف عمرها وطاقتها ونبضها الإنساني.
أداء مذهل تقدمه الممثلة الفرنسية القديرة ليا دروكير، التي ولدت في مدينة كاين بمنطقة نورماندي، وتنتمي إلى عائلة معروفة إعلاميًا وثقافيًا. والدها طبيب ووالدتها مدرسة لغة إنجليزية، وهي ابنة شقيق الإعلامي الفرنسي الشهير ميشيل دروكر، كما أنها ابنة عم الصحفية ماري دروكر. وقدمت ليا العديد من الأدوار اللافتة، من بينها دور «كاثرين دوراند» في النسخة الفرنسية البريطانية من مسلسل «حرب العوالم»، كما فازت بجائزتي سيزار لأفضل ممثلة عن فيلم «الحجز» (2017)، وعن دورها في فيلم «القضية 137».
الفيلم مشبع بالحكايات التي تتمحور حول تلك الطبيبة الجراحة؛ من المرضى إلى الأطباء، ومن الأسرة إلى العلاقات العابرة، وصولًا إلى نماذج بشرية مرهقة ومهمومة تبحث عن الخلاص. وهكذا تبدو غابرييل غارقة في متاهات العمل على حساب حياتها الخاصة وأنوثتها وأسرتها.
قد لا يكون «حياة امرأة» أفضل أفلام مهرجان كان، أو حتى أبرز أفلام السينما الفرنسية لعام 2026، لكنه يظل نموذجًا لسينما تأخذ بعين الاعتبار تعب الإنسان الفرنسي وهمومه، والمرأة على وجه الخصوص، تلك التي تحاول أن تجد الملاذ والخلاص… بينما تأتي الحقيقة على النقيض تمامًا.
ولا نتحدث هنا عن النهاية، لأنك، عزيزي القارئ، ستجدها بنفسك داخل صالة العرض.
ويبقى أن نقول: إن فيلم «حياة امرأة» يكشف عن مخرجة تظل مشغولة بقضايا بنات جنسها، وهو أمر يستحق التقدير، لأننا أمام عمل كتب ونفذ وجسد بعناية تليق بتاريخ السينما الفرنسية.
