قبل عامين، سحبت الرقابة على المصنفات الفنية في مصر ترخيص عرض فيلم «آخر المعجزات» قبل يوم واحد فقط من افتتاح مهرجان الجونة السينمائي، دون إبداء أسباب واضحة، وبعد عام، عاد الفيلم للظهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وكأن شيئًا لم يكن، هذا التناقض يطرح سؤالًا مشروعًا، هل المشكلة كانت في الفيلم نفسه، أم في السياق الذي عرض فيه؟
المفارقة أن الفيلم، عند مشاهدته، لا يبدو عملًا صداميًا أو مستفزًا رقابيًا بالمعنى التقليدي، بل على العكس، هو فيلم هادئ، متأمل، أقرب إلى الاشتباك الفكري منه إلى أي تجاوز مباشر، ومع انتقاله إلى جمهور جديد في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي بالجزائر، بعد تتويجه في مهرجان مالمو للسينما العربية، يصبح من الضروري النظر إليه بعيدًا عن الجدل، كعمل سينمائي قائم بذاته.
معجزة نجيب محفوظ
الفيلم من بطولة خالد كمال، أحمد صيام عابد عناني ،هاني الطمباري وظهور خاص لــ” غادة عادل”، وإخراج عبد الوهاب شوقي، وهو مستلهم من قصة «معجزة» للأديب نجيب محفوظ ضمن مجموعته «خمّارة القط الأسود». لكن ما يقدمه الفيلم ليس نقلًا مباشرًا للنص، بل محاولة لإعادة التفكير في روحه داخل وسيط مختلف.
يمكن قراءة «آخر المعجزات» بوصفه تجربة تكشف توترًا عميقًا داخل السينما العربية المعاصرة بين ثلاثة مستويات: الفكرة، والمعالجة، والوسيط السينمائي نفسه. هذا التوتر لا يظهر فقط في موضوع الفيلم، بل في طريقته في بناء عالمه، وفي اختياراته التي تتأرجح بين الانحياز للتأمل الفلسفي والالتزام بالبناء الدرامي.
انطلاقًا من ذلك، لا يعمل الفيلم كحكاية بقدر ما يعمل كـ”حالة”، حالة إنسانية معلّقة بين الرغبة في اليقين والخوف منه، وبين الحاجة إلى المعنى والعجز عن إنتاجه.
تساؤلات عميقة
ينتمي العمل بوضوح إلى سينما الفرضية الفكرية، حيث تصبح الحكاية مجرد وسيلة لاختبار سؤال أكبر، حيث يطرح الفيلم تساؤلات عميقة حول الإيمان والوهم والهشاشة النفسية، لكنه لا يمنح هذه الأسئلة ما يكفي من التحولات الدرامية لتتجسد عضويًا، النتيجة هي نوع من الاختزال، فالفكرة حاضرة منذ البداية، ويعاد تأكيدها بدل تطويرها، ما يضعف عنصر المفاجأة ويحدّ من الإدهاش.
أزمة التحول
واحدة من أبرز إشكاليات الفيلم تكمن في طبيعة التحول الذي يمر به البطل، فهو ليس تدريجيًا بما يكفي ليكون مقنعًا، ولا صادمًا بما يكفي ليبرر دراميًا، إنه انزلاق سريع نحو حالة جديدة دون بناء نفسي كافٍ، وهنا يبرز السؤال: هل البطل شخصية تُفهم، أم رمز يستخدم؟ الأقرب أنه أداة دلالية أكثر منه كيانًا حيًا، وهو ما يمنح الفيلم طابعًا تجريديًا، لكنه يضعف الارتباط العاطفي معه.
البطل.. مرآة للهشاشة لا سيرة إنسان
شخصية البطل ليست فردًا بقدر ما هي “قابلية”، قابلية لتصديق أي شيء يمنح معنى أو خلاصًا. لكنه، في المقابل، يظل ناقص التكوين نفسيًا؛ نرى نتائجه ولا نرى جذوره، ورغم أن هذا الفراغ يسمح بتأويلات متعددة، إلا أنه يحمل مخاطرة واضحة، أن يقرأ كضعف في البناء لا كاختيار واعٍ.
إخراج واع وايقاع محسوب
يمتلك عبد الوهاب شوقي حسًا بصريًا واضحًا، ووعيًا بأهمية الصورة كحامل للمعنى، لكن هذا الوعي يتحول أحيانًا إلى استعراض أسلوبي، حيث تبدو بعض اللقطات مصممة لإظهار جمالها أو رمزيتها، لا كنتيجة طبيعية للسرد، هذا يخلق توترًا بين النية الفنية والضرورة الدرامية، ومع ذلك، يحسب له سيطرته على أدوات الفيلم القصير” التكثيف، الاقتصاد، والاعتماد على الإيحاء”.
الإيقاع محسوب بدقة، وهو ما يمنح الفيلم تماسكًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يحدّ من حيويته، فلا توجد مساحات كافية للتصاعد أو الانفجار، وكل شيء يبدو مضبوطًا أكثر من اللازم، حتى اللحظات المفصلية.
منطقة حساسة
الفيلم يقترب من منطقة حساسة، العلاقة بين الإيمان والوهم، لكنه يتعامل معها بحذر، لا يذهب إلى أقصى احتمالاتها، ولا يخاطر بطرحها بشكل صادم أو تفكيكي،هذا الحذر قد يكون واعيًا، لكنه يقلل من حدة التجربة، ويجعلها أقرب إلى التأمل منها إلى المواجهة.
«آخر المعجزات» فيلم يكشف عن مخرج واعٍ يمتلك أدوات حقيقية، ورغبة واضحة في الاشتباك مع أسئلة فلسفية معقدة.، لكنه يظل عملًا متحفظًا داخل طموحه، ينجح في إثارة التفكير، لكنه لا يبلغ حد التجربة الكاملة التي تهز يقين المتلقي، البطل هنا ليس شخصية تروى، بل مرآة تعرض فيها هشاشة الإنسان، والمخرج يقف على تخوم مرحلة مهمة، بين أن يكون صانع صور جميلة، أو صانع تجربة سينمائية قادرة على زعزعة ما نعتقد أنه ثابت.
