جمال السويسي في مهرجان الأقصر.. سينما الأسئلة لا الإجابات ورهان على وعي الجمهور

بقلم : محمد قناوي

في واحدة من الندوات الفكرية اللافتة ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، قدّم المخرج المغربي جمال السويسي رؤية سينمائية مختلفة، تكشف عن مشروع فني يقوم على البحث والتجريب، ويتجاوز القوالب التقليدية نحو لغة بصرية خاصة، وادار اللقاء الناقد السينمائي أسامة عبد الفتاح

السينما كمساحة للتفكير

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن السويسي لا ينظر إلى السينما باعتبارها مجرد صناعة أو حرفة، بل كفعل فكري مفتوح على التساؤلات. فالأفلام، بالنسبة له، ليست إجابات جاهزة، بل أدوات لطرح الأسئلة وإعادة النظر في الواقع، وهو ما يمنح تجربته طابعًا تأمليًا يتجاوز السرد التقليدي.

هذا الطرح يضعه ضمن تيار سينمائي يراهن على وعي المتلقي، لا على استهلاكه، حيث يصبح الجمهور شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.

البحث عن لغة بصرية خاصة

أحد أهم ملامح تجربة السويسي، كما أوضح خلال الندوة التي أدارها الناقد أسامة عبد الفتاح، هو سعيه الدائم لتطوير لغة بصرية تعبّر عن رؤيته. فالشكل، في نظره، ليس عنصرًا تجميليًا، بل امتداد عضوي للفكرة، ما يجعل كل فيلم تجربة مستقلة بذاتها، لها قوانينها الداخلية.

هذه الرؤية تفسر رفضه للقوالب الجاهزة، وإصراره على أن “لكل فيلم منطقه الخاص”، وهو ما يمنحه حرية فنية، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحديات إنتاجية وتسويقية في سوق يميل إلى النمطية.

الواقعية الاجتماعية والمراوغة الفنية

تحمل أفلام السويسي، كما أشار الناقد محمد قناوي، طابعًا اجتماعيًا واضحًا، وهو ما يضعها أحيانًا في مواجهة مع الرقابة. إلا أن المخرج يختار طريقًا مختلفًا، قائمًا على إعادة كتابة السيناريو، والبحث عن حلول فنية ذكية تتيح تمرير الفكرة دون صدام مباشر، فيما وصفه بـ”المراوغة الفنية”.

هذا الأسلوب يعكس وعيًا بطبيعة السياق، وقدرة على التوازن بين الجرأة والتكتيك، بما يحافظ على جوهر الفكرة دون التضحية بها.

بين الهوية والانفتاح

رغم انخراطه في تجارب إنتاجية دولية، يؤكد السويسي تمسكه بهويته العربية والأفريقية، مشيرًا إلى رفضه لمشروعات أوروبية لم تتوافق مع رؤيته. كما يستحضر جذوره الثقافية من خلال أعماله، بدءًا من تجربته الأولى عن مدينة فاس، وصولًا إلى مشاريعه الحالية التي تغوص في المجتمع المعاصر من منظور تاريخي متجدد.

تحديات الصناعة ورهانات المستقبل

لم يُخفِ السويسي الصعوبات التي واجهها في الاعتماد على الإخراج كمصدر وحيد للعيش، ما دفعه إلى العمل في إنتاج مشروعات دولية، مستفيدًا من موقع المغرب كوجهة سينمائية عالمية. ومع ذلك، ظل حريصًا على تطوير مشاريعه الخاصة، التي تعكس صوته الفني.

ويعمل حاليًا على مشروع جديد يعيد قراءة التاريخ من خلال الحاضر، في محاولة لربط الماضي بأسئلة الواقع، بعيدًا عن الطرح الكلاسيكي للأفلام التاريخية.

الأقصر.. فضاء للسينما الأفريقية

في ختام حديثه، عبّر السويسي عن سعادته بالتكريم، مؤكدًا أن مدينة الأقصر تمثل قيمة حضارية كبيرة، ليس فقط للمصريين، بل للعالم العربي والأفريقي، معتبرًا أن احتضانها لمهرجان سينمائي أفريقي يعكس ثراء القارة فنيًا وثقافيًا.

واختتم برؤية واضحة لمفهوم النجاح: الفيلم لا يُقاس فقط بإيراداته، بل بقدرته على التأثير والبقاء في ذاكرة الجمهور، وهي معادلة تبدو منسجمة تمامًا مع مشروعه السينمائي القائم على العمق لا الاستهلاك.