في قلب معبد الأقصر، حيث تتجاور الأزمنة وتتماس طبقات التاريخ، جاء افتتاح الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية ليؤكد أن السينما ليست مجرد فن للعرض، بل فعل ثقافي ممتد، يعيد وصل ما انقطع بين الجغرافيا والهوية، وبين مصر وعمقها الإفريقي.
لم يكن اختيار المكان مجرد خلفية احتفالية، بل بيانًا بصريًا يعكس فلسفة المهرجان نفسه، الانتماء إلى حضارة عريقة، والانفتاح على سرديات معاصرة تحملها عدسات صناع السينما من مختلف أنحاء القارة. في هذا السياق، بدا الحفل كأنه إعادة تعريف لفكرة “الافتتاح” بوصفه لحظة تلاقٍ بين الذاكرة والراهن.
السينما كجسر.. لا كمنصة عرض
من خلال كلمات القائمين على المهرجان، وعلى رأسهم سيد فؤاد وعزة الحسيني، برزت فكرة أساسية، الاستمرارية بوصفها مقاومة، فالوصول إلى الدورة الخامسة عشرة لم يكن إنجازًا رقميًا بقدر ما هو انتصار لفكرة الثقافة كقوة ناعمة قادرة على الصمود رغم التحديات العالمية.
هنا، لا يعمل المهرجان كمنصة عرض أفلام فقط، بل كمساحة لإعادة تشكيل العلاقات الثقافية بين مصر وإفريقيا، عبر ما وصفته الحسيني بـ”الشراكات الناعمة”، وهي صيغة تتجاوز الإنتاج المشترك إلى بناء وعي مشترك.
يوسف شاهين.. الحاضر الغائب
حضور اسم يوسف شاهين في حفل الافتتاح الذي اخرجه المؤلف الموسيقي وكاتب السيناريو هيثم الحميسي ، لم يكن تكريميًا فحسب، بل تأسيسيًا، الفيلم التسجيلي الذي استعاد مسيرته، وشهادات من عاصروه، أعادت طرح شاهين بوصفه نموذجًا للمخرج الذي فهم مبكرًا معنى الانتماء الإنساني العابر للحدود.
ولعل استدعاء فيلم “عودة الابن الضال” في كلمة سيد فؤاد يكشف عن أثر شاهين كحافز شخصي وجمعي، حيث تتحول السينما من مشاهدة إلى مصير مهني ورؤية للعالم.

التكريم.. قراءة في مسارات متعددة
جاءت التكريمات هذا العام كخريطة متنوعة للأداء السينمائي، بين ممثلين ومخرجين من أجيال وخلفيات مختلفة، تكريم ريهام عبد الغفور يعكس مسارًا تطور فيه الأداء من الرقة إلى العمق النفسي، بينما يمثل خالد الصاوي نموذجًا للفنان الذي يوازن بين الحضور الجماهيري والاختيارات النوعية.
أما تكريم المخرج محمد أمين، فيحمل دلالة على تقدير التجارب التي اشتغلت على السينما كخطاب اجتماعي ساخر وناقد، وعلى المستوى الإفريقي، يبرز اسم داني كوياتي كامتداد لذاكرة سينمائية أفريقية أصيلة، إلى جانب جمال سويسي، ونتشافيني وا لورولي، في تأكيد على تنوع الأصوات داخل القارة.
النجوم.. صوت إنساني موازٍ للصورة
حضور يسرا، بسمة، وحمزة العيلي لم يكن شكليًا، بل جاء محمّلًا بخطاب إنساني، حيث تحولت كلماتهم إلى شهادات شخصية عن الفن والذاكرة والعلاقات التي تصنعها السينما خلف الكاميرا.
كلمة يسرا تحديدًا أعادت التأكيد على البعد العاطفي في تجربة العمل مع شاهين، لتربط بين مسيرتها الممتدة ونموذج المخرج الذي لا يتكرر، في إشارة إلى ندرة التجارب المؤسسة.
الغياب بوصفه حضورًا آخر
إهداء الدورة إلى أرواح فاروق عبد الخالق، داود عبد السيد، محمد الأخضر حمينة، وسليمان سيسيه يطرح فكرة مغايرة للزمن داخل المهرجان؛ فهؤلاء الغائبون حاضرون عبر أثرهم الفني، بل إن إطلاق مسابقة باسم داود عبد السيد يعكس محاولة لتحويل الغياب إلى طاقة إبداعية مستمرة، هنا، لا يصبح التكريم مجرد لحظة وفاء، بل آلية لإعادة إنتاج القيم الجمالية والفكرية التي مثلها هؤلاء.
مهرجان يتجاوز الاحتفال
ما تكشفه هذه الدورة الافتتاحية هو أن مهرجان الأقصر لم يعد مجرد حدث سنوي، بل مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى إعادة تعريف موقع مصر داخل خريطة السينما الإفريقية. إنه مهرجان يشتبك مع الأسئلة الكبرى، الهوية، الذاكرة، والتواصل، ويطرح السينما كأداة لفهم الذات والآخر.
يمكن القول إن افتتاح الدورة الخامسة عشرة لم يكن مجرد بداية لبرنامج عروض وفعاليات، بل إعلانًا عن استمرار مشروع ثقافي يؤمن بأن الصورة قادرة على بناء جسور، وأن الأقصر — بتاريخها — ليست فقط شاهدة على الحضارة، بل شريكًا في صناعتها من جديد.
