بقلم : محمد قناوي
ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته الخامسة عشرة (29 مارس – 4 أبريل)، تفرض مسابقة أفلام الصعيد نفسها كمساحة مختلفة داخل خريطة المهرجان، مساحة لا تكتفي بالاحتفاء بجغرافيا مهمشة، بل تسعى إلى إعادة تعريف فكرة “المركز”ذاتها عبر منح الكاميرا لمن ظلوا طويلًا خارجها.
الجائزة كإشارة رمزية تتجاوز التكريم
يحمل إطلاق الجائزة باسم فاروق عبد الخالق دلالة تتجاوز البعد التكريمي، إذ يرتبط اسمه بدعم السينما الجادة والنقد الواعي، هنا تتحول الجائزة إلى بيان ضمني يؤكد أن هذه المسابقة ليست مجرد قسم موازٍ، بل محاولة لترسيخ مشروع ثقافي يعيد الاعتبار لصوت الهامش.
الهوية المحلية خارج القوالب الجاهزة
تكشف قائمة الأفلام عن انشغال واضح بالهوية، لكن دون السقوط في فخ الفولكلور السطحي، عناوين مثل “حرير نقادة” و”الست بسيمة” و”فاطمة” توحي باقتراب حميمي من تفاصيل الحياة اليومية، خاصة ما يتعلق بحضور المرأة في المجتمع الصعيدي، ذلك الحضور الذي كثيرًا ما تم اختزاله سينمائيًا في صور نمطية أو زخرفية.
الهجرة والقلق… حين يصبح الواقع سؤالًا مفتوحًا
في اتجاه موازٍ، تذهب بعض الأعمال نحو قضايا أوسع، كما في “رحلة عبر المتوسط” الذي يلامس حلم الهجرة بوصفه خلاصًا أو مأزقًا، و”البحث عن مأوى” حيث يتحول العنوان إلى استعارة مكثفة لفقدان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أما “على صعيد مصر” فيبدو كطرح مباشر لسؤال الهوية، بين الانتماء والوصم، بين الداخل ونظرة الآخر.
بين الحميمي والتفكيك: مقاربة
تتجاوز التسجيل
اللافت أن هذه الأفلام لا تكتفي بتسجيل الواقع، بل تحاول تفكيكه من الداخل، في “الصّابي” و”الدفوف” مثلًا، قد تبدو الطقوس والعادات في الواجهة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تقديمها بعيدًا عن النزعة الاستشراقية أو التجميل الزائف، وهو ما يضع هذه التجارب أمام اختبار فني حقيقي.
سؤال السينما الصعيدية: ولادة أم محاكاة؟
تفتح المسابقة بابًا لسؤال مهم: هل نحن أمام ملامح سينما صعيدية حقيقية، أم مجرد محاولات لا تزال تدور في فلك النموذج المركزي؟ الإجابة تبقى معلقة، لكن بالتأكيد أن هذه الأعمال تمثل خطوة أولى نحو بناء لغة بصرية أكثر التصاقًا بالمكان وتجربته الخاصة.
الإنتاج المحدود… قيد أم مساحة للصدق؟
تبدو محدودية الإمكانيات الإنتاجية سيفًا ذا حدين؛ فهي تفرض قيودًا على الشكل، لكنها في المقابل تمنح هذه الأفلام قدرًا من الصدق والعفوية، ربما تفتقده الأعمال الأكبر إنتاجًا، حيث تتحرر الصورة من الزخرفة لصالح التعبير المباشر.
جرأة الحكي قبل اكتمال الأدوات
في المحصلة، تظل مسابقة أفلام الصعيد واحدة من أكثر أقسام المهرجان حيوية، ليس لأنها تقدم أعمالًا مكتملة، بل لأنها تفتح الباب أمام أصوات جديدة تكتب حكاياتها من الداخل، إنها سينما لا تدّعي الكمال، لكنها تمتلك ما هو أهم: شجاعة الحكي، وربما هنا تحديدًا تكمن قيمتها، كخطوة أولى نحو سينما مصرية أكثر تنوعًا وعدالة في تمثيلها الجغرافي والإنساني.



