بقلم : محمد قناوي
تأتي مسابقة الفيلم الطويل ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته الخامسة عشرة، في الفترة من 29 مارس إلي 4 أبريل 2026 ، بوصفها واحدة من أكثر المسابقات تعبيرًا عن التحولات العميقة التي تشهدها السينما الأفريقية اليوم. فالقائمة المختارة لا تعكس فقط تنوعًا جغرافيًا، بل تكشف عن صراع واضح بين هويات متعددة، وسعي مستمر لإعادة تعريف الذات السينمائية في ظل عالم متغير.
أول ملامح هذه المسابقة يتمثل في الهيمنة اللافتة لدول غرب أفريقيا، مثل مالي والسنغال ونيجيريا وبوركينا فاسو، وهي منطقة طالما شكلت قلب السينما الأفريقية الأكثر التصاقًا بالواقع. أفلام مثل “أنا جانتو!” و”ذاكرة شجرة المانغو” و”ظل أبي” تبدو – حتى من عناوينها – مشغولة بثيمات الذاكرة، الجذور، والبحث عن الهوية، وهي ثيمات تعكس استمرار تأثير إرث ما بعد الاستعمار على الوعي السينمائي في هذه الدول.

الحضور العربي
في المقابل، يأتي الحضور العربي أكثر تنوعًا وقلقًا من حيث الطرح. من “أفريكا بلانكا – لون المنفي” للمخرج المغربي عزالعرب العلوي، الذي يبدو كأنه يفتح ملفًا شائكًا حول الهوية والتمييز، إلى “سماء بلا أرض” لـ أريج السحتري الذي يوحي بانشغال وجودي يتجاوز المحلي نحو الإنساني العام، مرورًا بفيلم “رقية”الجزائري الذي قد يلامس البعد الروحي والاجتماعي في آن واحد، هذه الأعمال تكشف عن سينما عربية أفريقية تحاول كسر القوالب، لكنها لا تزال تبحث عن توازنها الخاص بين المحلي والعالمي.

السينما المصرية
المشاركة المصرية تطرح بدورها إشكالية نقدية لافتة، وجود فيلمين لكل من محمد صيام “كولونيا” وأبو بكر شوقي “قصص” يعكس حضورًا قويًا، لكنه يفتح باب التساؤل، هل تمثل هذه الأفلام فعلاً روح القارة أم تنتمي أكثر إلى سينما مهرجانات ذات طابع دولي؟ هذا السؤال يعكس أزمة أعمق تتعلق بموقع السينما المصرية داخل الخريطة الأفريقية.
أما فيلم “ملكة القطن” للمخرجة سوزانا ميرغني، فيحمل بعدًا خاصًا، إذ يأتي من سياق إنتاجي شديد الصعوبة، ما يمنحه ثقلًا رمزيًا يتجاوز قيمته الفنية، في حين يمثل فيلم “قضاء الرب” لجنوب أفريقيا اختبارًا لصناعة سينمائية متقدمة نسبيًا داخل القارة، خاصة مع كونها ضيف شرف الدورة.

السينما التأملية
ما يميز هذه المسابقة هو ميلها الواضح نحو السينما التأملية ذات الطابع الإنساني، مقابل غياب شبه كامل للأعمال التجارية، ورغم أن هذا الاختيار يعزز من القيمة الفنية، فإنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى قدرة هذه الأفلام على التواصل مع جمهور أوسع، وهل تتحول السينما الأفريقية تدريجيًا إلى خطاب نخبوى موجه للمهرجانات فقط؟
في المحصلة، تبدو مسابقة الفيلم الطويل هذا العام كساحة صراع بين اتجاهين، سينما تبحث عن جذورها وهويتها، وأخرى تسعى للاندماج في خطاب عالمي،وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحًا، هل تنجح السينما الأفريقية في امتلاك صوتها الخاص، أم ستظل أسيرة التوازن الصعب بين الذات والآخر؟
