مع كل تشكيل وزاري جديد، تتجدد الأسئلة حول وزارة الثقافة، لا لأنها وزارة هامشية، بل لأنها تدار غالبًا وكأنها كذلك، وزارة يفترض أن تكون عقل الدولة وضميرها، لكنها تحوّلت عبر سنوات طويلة إلى مكتب فعاليات، بلا رؤية، وبلا مشروع، وبلا مساءلة حقيقية، ومع تولي د.جيهان زكي حقيبة الثقافة، فإن التحدي أمامها لن يكون في تحسين الصورة، بل في كسر نمط إداري مترسّخ أثبت فشله.
أول ما سيواجه الوزيرة الجديدة هو واقع ثقافي غير عادل، الثقافة في مصر ما زالت أسيرة المركز، بينما تترك المحافظات للهامش، قصور الثقافة قائمة بالاسم، معطلة بالفعل، تدار بعقلية الموظف لا المثقف، وبمنطق التقارير لا التأثير، المشكلة لم تكن يومًا نقص مبانٍ أو ميزانيات فقط، بل غياب تصور: ماذا نريد من الثقافة؟ ولمن؟ وكيف؟
أما ملف الصناعات الثقافية، الذي لا تزال الوزارة تنظر إليه بريبة، وكأنه ترف يمكن الاستغناء عنه،السينما، والمسرح، والنشر، والموسيقى، والحرف التراثية، ليست عبئًا على الموازنة، بل فرص اقتصادية حقيقية، لكن غياب السياسات حوّل هذه القطاعات إلى نشاطات موسمية، تعيش على المبادرات الفردية، وتنهار عند أول أزمة.
أما القوة الناعمة، فقد تراجعت لأنه يتم التعامل معها بوصفها رصيدًا قديمًا لا يحتاج إلى إدارة، لكن الامتحان الأصعب سيظل في ملف السينما، منذ أن قررت وزارة الثقافة منذ عدة سنوات ، الانسحاب من دعم الإنتاج السينمائي، والاكتفاء بإدارة الأصول -دور العرض، والاستوديوهات، والشركة القابضة – دخلت السينما المصرية مرحلة شلل مقنّع، الوزارة رفعت يدها عن الصناعة، لكنها لم تتركها حرة، بل تركتها معلّقة بين السوق والبيروقراطية.
تحويل السينما إلى ملف عقاري كان خطأً فادحًا، السينما ليست أصولًا تدار، بل صناعة تبنى، وفي كل دول العالم، الدولة شريك ذكي في الإنتاج، لا متفرجًا محايدًا، منطق الربح وحده لا يصنع سينما متنوعة ولا يحمي الهوية ولا يفتح أسواقًا جديدة.
المطلوب من وزيرة الثقافة الجديدة اعتراف صريح بأن ما جرى كان خطأً، يعقبه تغيير جذري في الدور: عودة صندوق دعم الإنتاج شرط الشفافية ، الشركة القابضة لابد أن تتحول من حارس أصول إلى منتج فعلي، واستوديوهات تدار بعقلية القرن الحادي والعشرين لا بروح الأرشيف.
كما أن العلاقة بين الدولة وصنّاع السينما وصلت إلى درجة من التآكل لا ترمم بالتصريحات، المطلوب شراكة حقيقية، دعم بلا وصاية، وقواعد واضحة لا تتغير بتغير المزاج.
الخلاصة أن د. جيهان زكي، لن تحاسَب على النوايا، بل على قدرتها على كسر هذا الجمود، فوزارة بلا مشروع..عبء، وثقافة بلا سياسات.. وهم.
