بقلم: محمد قناوي
توقفت أمام جملة قصيرة قالها الفنان ماجد الكدواني وهو يخاطب جمهور الشاشة الصغيرة خلال تقديم مسلسله الرمضاني «كان ياما كان» على قناةDMC ، إحدى قنوات المتحدة للخدمات الإعلامية: «أتمنى أن نشبع مشاعركم»، عبارة تبدو للوهلة الأولى عابرة وبسيطة، لكنها في العمق تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة المركّبة بين الفنان وجمهوره، خصوصًا في موسم درامي يعدّ الأكثر ازدحامًا واستهلاكًا وتأثيرًا في العام.
الكدواني لا يروّج لمسلسل بقدر ما يعلن منذ اللحظة الأولى عن طبيعة رهانه الحقيقي: التأثير الوجداني، كأن العمل الفني هنا يقدَّم بوصفه تجربة شعورية قبل أن يكون حكاية درامية أو استعراضًا تمثيليًا، وهذا الوعي لا يصدر إلا عن فنان يؤمن بأن الفن مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وأن الكلمة والصورة حين تدخل بيوت الملايين لا تعود مجرد أداء، بل أثرًا يمتد ويحاسَب عليه صاحبه.
اختيار فعل «نشبع» تحديدًا ليس تفصيلًا لغويًا عابرًا، الإشباع يرتبط بالحاجة، بالنقص، بالرغبة في الامتلاء، وحين تنسب هذه الكلمة إلى «المشاعر»، يتحوّل المسلسل إلى وعد بتعويض وجداني، إلى مساحة يلوذ بها المشاهد بحثًا عمّا يفتقده : ضحكة صادقة، حنينًا دافئًا، طمأنينة مؤقتة، أو حتى حزنًا نقيًا يمنحه معنى، هنا يتبدّى تحوّل واضح في خطاب الفن المعاصر؛ لم يعد الحديث عن ضخامة الإنتاج أو براعة الحبكة كافيًا، بل عن قدرة العمل على ملامسة الداخل الإنساني في زمن مثقل بالضغوط.
لكن اللافت في الجملة هو بدايتها: «أتمنى».، التمني يخفف من حدّة الوعد، ويكسر أي نبرة استعلاء فني .. الكدواني لا يقول «سنشبع مشاعركم»، بل يعترف ضمنيًا بأن الفن تجربة مشتركة، لا يملك الفنان وحده السيطرة على نتائجها، هذا التواضع يتناغم مع تصريحه بخوفه من زحام المنافسة في موسم رمضان، وهو خوف مشروع في سوق تحوّل إلى سباق محموم تقاس فيه الأعمال بسرعة الانتشار وعدد المشاهدات، أكثر مما تقاس بعمق الأثر وطول العمر.
يمكن قراءة تصريح الكدواني بوصفه مرآة لقلق الفنان المعاصر: كيف يترك عمل جديد أثرًا حقيقيًا في سوق متخم بالعروض؟ كيف يمكن تحقيق «إشباع» وجداني في بيئة قائمة على الاستهلاك السريع وتبدّل الاهتمام؟
المفارقة هنا أن الوعد بإشباع المشاعر يأتي في موسم قد يشاهد فيه المتلقي عشرات الأعمال بالتوازي. التحدي لم يعد في جذب الانتباه، بل في البقاء داخل الذاكرة بعد انقشاع الضجيج.
ربما لا تحمل جملة الكدواني إجابة حاسمة، لكنها تحمل صدقًا نادرًا، إنها اعتراف بأن الفن، في جوهره، مغامرة غير مضمونة النتائج، وبين رغبة الفنان في التأثير وخوفه من المنافسة، تتشكّل لحظة إنسانية صريحة تسبق العرض نفسه، لحظة تقول إن العمل الفني ليس مجرد منتج موسمي، بل محاولة صادقة لملامسة القلب – حتى وإن كان الطريق مزدحمًا.
ويظل ماجد الكدواني أحد أبرز الأمثلة على هذا الرهان الإنساني في التمثيل، فبكاريزما استثنائية وقبول جماهيري واسع، نجح عبر مسيرة فنية ممتدة منذ التسعينيات في حصد محبة الجمهور والنقاد معًا، يتميز بأداء تلقائي، وصدق داخلي، وقدرة نادرة على التنقل بسلاسة بين الكوميديا والتراجيديا، شخصياته، حتى الأكثر تعقيدًا منها، تبدو قريبة ومحبوبة، بفضل روح إنسانية تجعل المشاهد يرى نفسه فيها، وهو ما يؤكده دائمًا المخرجون الذين عملوا معه: موهبة فطرية، واحتراف عالٍ، وإيمان حقيقي بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
